الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

صناعة القيادات في قطاع الكهرباء والمياه ومتحصِّلاتها من التجربة إلى التمكين

محمد بن هلال المقبالي

مع اقتراب إسدال الستار على مسيرتي المهنية التي امتدت قرابة أربعة عقود، متنقّلًا بين وزارة العدل وشركة عُمان للاستثمارات وظفار الدولية للتنمية والاستثمار، أستعيد اليوم ملامح تجربةٍ علّمتني أن القيادة ليست منصبًا ، بل موقف ، وأن النجاح لا يُقاس بما أنجزتَ فحسب ، بل بما ألهمت.

لقد اتخذت قراري بالتفرغ لممارسة مهاراتي الفنية في الرسم والزخرفة وتشكيلات الخط العربي ، بعد رحلةٍ حافلةٍ بالمسؤولية والتحدي والتعلّم، تنوّعت فيها الخبرات بين المجالات المالية والقانونية ، وتدقيق المصروفات ، وتسوية النزاعات ، وخدمة العملاء، وتحصيل الديون ، وتحقيق التوازن بين متطلبات الأنظمة ومقتضيات الإنسانية.

لكن التجربة الأبرز كانت حين تقلّدتُ مهمة التحصيل المالي بولاية بوشر عام 2013م ضمن قطاع الكهرباء والمياه ، حيث واجهنا تحديًا كبيرًا في المديونيات المتعثرة. فتحوّل التحدي إلى حافزٍ ، والقضية إلى قصة نجاحٍ وطنية ، إذ ارتقت الولاية خلال عشر سنوات متتالية إلى أفضل منطقة في التحصيل المالي ، وانخفضت المديونية بنسبة 99% ، بفضل خطة عملٍ متكاملةٍ تعد الأولى من نوعها في تاريخ الشركة لما تضمنته من رؤى وأفكار غير مسبوقة.

ومن هنا انتقلنا من إدارة التحصيل إلى هندسة الثقة.

إنّ جوهر التحصيل لا يقوم على المطالبة بالسداد والتهديد ، بل على إدارة العلاقة بين المؤسسة والمشترك على قاعدة الثقة والشفافية. فالتحصيل ليس أداة ضغط، بل وسيلة تصحيح وتنظيم للقطاع.

وقد قامت الخطة التي اعتمدناها في بوشر على فلسفةٍ إنسانيةٍ قبل أن تكون أدواتٍ إدارية، ومن أبرز مبادئها:

1️ العدالة في الفوترة: إلغاء المبالغ التقديرية قبل مطالبة المشتركين بالسداد ، لأن القراءة الفعلية أساس الثقة.
2️ التدرّج الإنساني: تأجيل قطع الخدمة للحسابات ذات القراءات التقديرية أو الارتفاع المفاجئ في الاستهلاك حتى تتم معالجتها.
3️ المرونة الاجتماعية: مراعاة الحالات الإنسانية وذوي الدخل المحدود بالتقسيط والدعم بالتعاون مع الجمعيات الخيرية.
4️ حلّ الخلافات: احتواء النزاعات بين الملاك والمستأجرين عبر حلولٍ ودّية ترضي جميع الأطراف وتؤدي إلى تسديد المتراكمات.
5️ النهج التصالحي: تجنّب اللجوء إلى القضاء في تحصيل المتعثرات ، ومعالجتها بالتي هي أحسن.
6️ روح الفريق: دعم المناطق الأخرى ومساندتها في متابعة الحسابات المعقدة.

لقد أدركتُ أن أي نظامٍ إداريٍّ أو فنيٍّ مهما بلغ من الكفاءة لن ينجح دون قيادةٍ تمتلك البصيرة والضمير. فالموظف المحفَّز ماديًا ومعنويًا هو رأس المال الحقيقي للمؤسسة ، والإحباط هو أول خطوة نحو الفشل المؤسسي.

إنّ صناعة القيادات في قطاع الكهرباء والمياه تتطلب رؤيةً تتجاوز الإدارة التقليدية إلى إدارة التأثير ، بحيث يكون القائد المالي والتشغيلي والفني والتقني والرقابي جزءًا من منظومةٍ واحدة هدفها خدمة المواطن وحماية موارد الدولة.

ومن أهم مقومات القيادة في هذا القطاع الحيوي:

1️ الرقابة الذاتية واستشعار الأمانة قبل الرقابة الإدارية.
2️ القدرة على التوازن بين مصلحة المؤسسة واحتياجات المشتركين.
3️ المرونة في التطبيق مع الصرامة في المبدأ.
4️ الوعي المالي والقانوني لفهم وتحليل الحسابات.
5️ إتقان بناء العلاقات ومد جسور الثقة مع المشتركين.
6️ الإبداع والبحث المستمر عن الحلول الجديدة.
7️ مهارات فضّ النزاعات والتوفيق بين الأطراف.
8️ التفاوض الذكي وتحليل مكامن القوة والضعف لدى الآخرين.
9️ الفراسة في فهم الناس عبر قراءة الوجوه ولغة الجسد ونبرة الصوت.
10 نقل المعرفة من جيل التجربة إلى جيل المستقبل.

من التحصيل إلى التحوّل

إنّ قطاع الكهرباء والمياه من أكثر القطاعات ارتباطًا بحياة الناس ، ومن هنا تأتي ضرورة تحويله من قطاعٍ خدمي إلى قطاعٍ تنموي يقوم على الكفاءة والشفافية والذكاء المؤسسي.

مبادرات تطويرية مقترَحة:

1️ إنشاء مركز وطني لتأهيل قيادات التحصيل المالي ، يُعنى بتطوير الكفاءات الإدارية والميدانية في مجالات التحصيل والتعامل مع الجمهور.

2️ تطوير منصّات رقمية تفاعلية تتيح للمشترك متابعة استهلاكه وفواتيره بشفافية وسهولة عبر التطبيقات الذكية.

3️ ربط التحصيل المالي بمؤشرات العدالة والدقة في القراءة ، لضمان مصداقية الفواتير وتحقيق العدالة بين المشتركين.

4️ تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط الاستهلاك والتنبؤ بحالات التعثر قبل وقوعها ، مما يرفع كفاءة التحصيل ويقلل الخسائر .

5️ إدراج قيم النزاهة والخدمة والمسؤولية المجتمعية ضمن ثقافة العمل المؤسسي ، لترسيخ مبادئ الثقة والشفافية في التعامل مع الجمهور.

6️ إطلاق برامج وطنية للتوعية بالاستخدام الرشيد للطاقة والمياه، تتضمن تعريف المشتركين بطرق اكتشاف تسريبات الكهرباء والمياه وصيانتها فورًا لما تمثله من هدرٍ صامت للموارد.

كلمة الختام

إنّ صناعة القيادات ليست حدثًا إداريًا عابرًا ، بل مسيرة وعيٍ ومسؤوليةٍ وأثر .
وما تحقق في ولاية بوشر لم يكن مجرّد أرقام مالية ، بل قصة إنسانية جسّدت قيم الإخلاص والانتماء ، وأثبتت أن النجاح يولد حين تتكامل الإرادة مع الفكرة، والخبرة مع الممارسة الميدانية .

فالمستقبل لا يصنعه من يجلس في المكاتب ، بل من يقرأ الميدان ويفهم الإنسان ، ويستثمر في العقول قبل الأنظمة .
وحين ندرك أن الكهرباء والمياه ليستا مجرد خدمات ، بل شريان حياةٍ وتنميةٍ وطنية ، عندها فقط نصنع الفرق ، ونبني وطنًا مضيئًا بالمبادئ قبل الأضواء .

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights