المطبلون ..

سعيد بن ناصر السعيدي
في كل زمان ومكان، نجد فئة من الناس تتقن فنّ النفاق والتصفيق الخاوي، يزين به الباطل وتُبرّر الأخطاء، ويُلبس الحق ثوب الباطل. هؤلاء هم المطبلون، الذين يعيشون على هامش الحقيقة، ولا يرون في الصراحة إلا خطرًا على مصالحهم وحاجاتهم، تراهم يهتفون بأصواتهم حين يسكت العقل، ويُصفّقون بغزارة كلما ارتكب صاحب النفوذ خطأً فادحًا، ولو طرحنا سؤالًا من هو المطبل؟ نجد الإجابة؛ هو ذلك الشخص الذي يُهلّل ويمدح دون وعي أو ضمير أو صدق, لا لأن ما يُقال أو يُفعل يستحق الثناء، ولكن لأنه يبحث عن إرضاء الآخرين ومكاسب شخصية أو مصلحة، ويختلف لمن يكون يطبل فقد يكون مطبلًا لمدير في عمله، أو لشخصية مشهورة، أو حتى لنظام أو جماعة، هو لا يملك رأيًا حقيقيًا؛ بل يُكرر ما يُطلب منه قوله، يعيش في ظلال، لكنه يُحدث ضجيجًا يُغرق أصوات العقلاء. ولديه شعار دائم “قل ما يُرضيهم، لا ما هو حق”.
المطبلون هم أخطر من الفاسدين أنفسهم، لأنهم يبرّرون الفساد ويُزينون القبح، هم الذين يخلقون الهالة الزائفة حول أصحاب السلطة، ويخدعون الناس بصوت المديح المزيف المستمر حتى يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الصواب والخطأ، حين يهتف ويُصفّق الجميع للخطأ؛ يصبح الحق غريبًا، وحين يُكافإِ و يُكرَّم المنافق ويُهمّش الصادق؛ يفسد ميزان القيم، وهناك مقولة لأحد الحكماء؟ “ما دُمنا نصفّق لكل من يصرخ ويهتف عاليًا، فلن يسمع أحد صوت الحق الهادئ أبداً”، في زمننا الحالي وزمن الإعلام ومواقع التواصل، لم يختفِ المطبلون، بل تغيّر شكلهم، أصبحوا يظهرون على الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي ويرفعون شعارات “الولاء” و”الدعم”، بينما في الحقيقة هم يسعون إلى الشهرة والمصالح، يمدحون اليوم من سوف يهاجمونه غدًا، ويتلوّنون ويتحولون مع الريح حيث تميل الكفّة.
كيف ينجح المطبلون؟:
ينجح المطبلون لأن بعض الناس يميلون ويحبون المديح أكثر من الحقيقة، فصاحب السلطة أو صاحب المال غالبًا ما يميل لمن يرفع من شأنه، حتى لو كان كلامه زائفا أو كذبًا، والمطبل الذكي يدرك هذه الثغرة، فيتسلل إليها بالكلمة المنمّقة والابتسامة الزائفة الكاذبة، لكن الحقيقة المؤلمة والصادمة هي أن المطبل لا يعيش إلا في ظل المتكبر، فهو لا يمدح إلا من يطلب المديح، ولا يصفّق إلا لمن يطربه الصدى، حين تنتشر ثقافة التطبيل، يموت الصدق والنقد البنّاء، وتُهمّش الكفاءات، تصبح المجتمعات أسيرة المجاملات، وتختنق فيها روح الإصلاح، والمطبلون هم من يقتلون الإبداع في بدايته، لأنهم لا يريدون إلا تكرارًا لما يرضي أو يرغبه أصحاب القرار، يصفّقون ويهتفون حتى للقرارات الخاطئة، ويهاجمون كل من يجرؤ على قول كلمة حق، فيتحول الصدق إلى “وقاحة”، والنفاق إلى “ذكاء اجتماعي” هنا يكون تأثير المطبلين على القيم والأخلاق.
الإسلام حذّر من النفاق والكذب، وعدّهما من أخطر الصفات. قال رسول الله ﷺ : “من مدح أخاه بما ليس فيه فقد قطع عنقه”، أي أن المديح الكاذب يُهلك الطرفين، المادح والممدوح، لأن المطبل يُضلّل، والمطبل له يغترّ بنفسه، فيقع في الكِبر والغرور، والمطبلون هم داء ومرض المجتمعات الضعيفة، وأعداء الحقيقة الصامتون، لا يهمّهم الوطن ولا المصلحة العامة، وإنما يبحثون عن مكسب سريع ومكانة زائفة، لكن التاريخ لا يذكر المطبلين، وإنما يذكر من قالوا الحق حين صمت الآخرون، فليكن شعارنا موحد لدينا “نصفّق للصدق، لا للأشخاص”، ولنُدرك أن المجتمعات لا تنهض بالتصفيق المزيف، بل بالنقد، والعمل، والصدق، والضمير الحي.



