الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
الخواطر

في الغياب يُمتحن الصدق ..

أحمد الفقيه العجيلي

حين تغيب، تكتشف شيئًا لم تكن تراه وأنت حاضر:

أن العلاقة ربما لم تكن بعمق ما كنت تظن.

قد تكون مجرّد صحبة وقت أو تسلية عابرة،

وليست صداقة حقيقية تنبض بالاهتمام المتبادل،

فالصداقة الحقيقية لا تُقاس بطول العِشرة،

بل بصدق المودّة، ودفء السؤال، ودوام الحضور في الغياب.

غيابك يكشف المواقف، ويمتحن القلوب.

فإما أنهم لم يلاحظوا غيابك أصلًا،

وإما لاحظوا ولم يكترثوا.

وفي الحالتين، أنت أمام حقيقة مؤلمة لكنها ناضجة:

لا تضع مشاعرك ووقتك إلا مع من يقدّرهما.

الصداقة الحقيقية لا تُقاس بكثرة اللقاء،

بل تُختبر بالغياب.

فالبُعد مرآةٌ نقيّة تكشف من حضر بك قلبًا،

ومن اكتفى بصحبتك جسدًا.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

“إذا فقدتَ أحدًا ولم يسأل عنك، فأنت لست في قلبه كما كنت تظن.”

وقال تعالى:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]

فمن علامة الولاية: السؤال، والمودة، والحضور عند الغياب.

وقال ﷺ:

“حق المسلم على المسلم ست… وإذا مرض فَعُدْه، وإذا غاب فزُرْه.” (رواه مسلم)

لكن كم من غيابٍ مرّ ولم يسأل أحد؟

كأنك ما كنت يومًا بينهم،

ولا كان حديثك يملأ مجالسهم،

ولا ضحكتك تؤنس أوقاتهم.

تتساءل بصمت:

هل كنت أتوهم القرب؟

أم كنت أملأ فراغًا لا قلوبًا؟

هل كنت في حياتهم حقًا، أم مجرّد صوت يبدّد سكونهم؟

وربما يقول بعضهم إنّ الكبرياء يمنعه من السؤال،

لكن أيّ كبرياءٍ هذا الذي يغلب المودّة؟

القلوب الصادقة لا تخجل من السؤال،

ولا ترى في الوصل ضعفًا… بل وفاءً.

فمن خاف أن يبدو مشتاقًا،

لم يعرف بعدُ معنى الصداقة، ولا عمق الحبّ الإنساني.

يقول الشاعر:

إذا المرءُ لم يرعَك إلا تكلُّفًا

فدَعه ولا تُكثِرْ عليه التأسُّفا

فالغياب لا يوجع بحدّ ذاته،

بل أولئك الذين لم يسألوا عنك حين غبت.

وفي زمن التهافت… الغياب يفضح.

فاحمد الله أن أراك مواقع أقدامك في قلوب الناس،

لتعلم من يستحق البقاء، ومن كان عابرًا في هيئة قريب.

فَصِل، وواصل، وأَصلح من بقي على الودّ…

فالحياة قصيرة لا تحتمل العلاقات الباهتة.

قطعُ ما لا يُثمر… حكمة،

ومراجعة العلاقات… نضج،

وتخفف القلب… عافية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights