نقطة أول السطر ( بين قلبين .. بين نبضين)

عادل بن حميد الجامعي
قالت له بصوتٍ متكسر كأطراف زجاجٍ مهشّم:
ـ دارت بي الدنيا، ولا أعرف هين أتقبّل بنفسي.. أريد أن أهرب، أختفي عن كل شيء، تعبت من كل شيء!
فنظر إليها بهدوءٍ طويلٍ يشبه السكون الذي يسبق الدعاء، وقال:
ـ أفضل مكان تهربين إليه هو سجادتك ومحرابك.
تأملته قليلاً ثم همست:
ـ *أنا هناك من زمان!!*
ابتسم بعينٍ دامعة وقال:
ـ ربما لما تطرقي الباب بالطريقة المثلى.. أو ربما يريدك الله أن تطرقيه من عمقك، لا من بنانك.. ليس بجوارحك، وإنما بنبضك.. ليس بدمعك فقط، بل بفؤادك حين ينكسر صدقًا.. فالله لا يطلب صوتك، بل يقينك..
في لحظةِ التيه، حين تضيقُ بكِ الحياة حتى تكاد تبتلعكِ، تحتاجين أن تدركي أنّ الهرب لا يكون إلى الخارج.. بل إلى الداخل.
وأنّ كل الطرق التي تظنينها مهربًا، ستعود بكِ إلى نفسك، ونفسك لا تُشفى بالفرار منها، بل باللجوء إلى خالقها..
هناك من الناس من يعيشون خيبة مشابهة شعور الثقل، والتكرار، والغرق في العجز، وهي ما تصفه الدراسات النفسية الحديثة بـ “متلازمة الإنهاك الوجودي”، حيث يفقد الإنسان إحساسه بالمعنى، ويتراجع ارتباطه بما حوله..
لكن العارفين قالوا قبل ذلك بزمنٍ طويل: *من لم يجد طعماً في مناجاته لله، فقد ذاق مرارة البُعد عنه.* -والعياذ بالله-
يا تائهة بين الزوايا المعتمة من روحك، كل ما تحتاجينه ليس أن *تهربي من الحياة*، بل أن *تغيّري زاوية النظر إليها.*
أن تفهمي أن ما يمرّ بك ليس عقابًا، بل *استدعاء*.. استدعاء من الرحمن إلى عتبة رحمته.. استدعاء كي تعودي إليه، لا لأنك بعيدة، بل لأنك قريبة.. قريبة جدًا، لكنه يريدك أن تقتربي أكثر، حتى تذوبي في حبّه..
في سجادةِ الصلاة، لا يُطلب منك أن تكوني مثالية، وإنما أن تكوني أنت أن تكون صادقة..
فالله يحب القلوب المنكسرة إليه
وهو القائل:
> ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
> لم يقل: ادعوني بألفاظٍ فصيحة..
> ولا ادعوني بأدعيةٍ محفوظة..
> بل قال: *ادعوني.*
> مجرد أن ترفعي يديك بصدق.. ونبضك بحب.. وتعانقي الليل أو جوف السحر.. هو كفيل أن يُبدل وجعك سكينة..
الذين يلجؤون إلى الله لا يخرجون كما دخلوا..
وهناك دراسات تشير الدراسات (Li et al., 2016 ؛ Koenig et al., 2012) إلى أن الممارسة الدينية المنتظمة كالصلاة ترتبط بانخفاضٍ يقارب 29٪ في خطر الاكتئاب والقلق. ويُعزى ذلك إلى أنّ الصلاة، جماعيةً كانت أو فردية، تُعيد بناء إحساس السيطرة الداخلية، فيمنح الإنسان اتزانًا نفسياً عبر الانكسار الواعي أمام الله ثم النهوض بالثقة، كما توفّر شبكة دعمٍ اجتماعي ومعنوي تحدُّ من العزلة وتُغذّي المعنى والطمأنينة في الحياة (Pargament & Lomax, 2013).
فأنتِ حين تسجدين، لا تهربين من الحياة، بل تستعيدين توازنك لتعيشي كما أرادك الله: برفقٍ، ورضى، وتسليم..
في لحظة السجود، تخشع جبهتك على الأرض، لكن روحك ترتفع فوق السماء.. وهناك فقط، حين تقولين:
يا رب، إني لا أملك نفسي.. فقدها إليك.
يتغير كل شيء..
يتبدد الضباب الذي كان يغشى صدرك..
ويبتدئ النور يتسلل في مساحاتٍ كنتِ تظنينها ميتة.
يا أختي التائهة..
الالتجاء ليس ضعفًا، هو أعلى درجات القوة..
الذي يسجد لا يهرب، بل يعود.
والذي يبكي في جوف الليل، لا ينهزم، بل ينتصر على نفسه..
الهروب الحقيقي ليس من الناس.. بل من الغفلة.. أما العودة، فهي إلى حضن الله، إلى طمأنينةٍ لا يقدرها العالم كله..
ففي داخل كل إنسانٍ مكانٌ خفيّ اسمه *المحراب الداخلي*..
محرابٌ لا يراه غيرك..
وحين تخاطبين ربك من هناك، ستكتشفين أن دمعك مفتاح إذنٍ بالدخول إلى حضرته..
إن النفس التي تكلّ وتملّ وتغرق في الضجيج، تحتاج إلى السكون كما يحتاج البحر إلى مدّه بعد الجزر..
وحين يطول السكون، وتغدو الأيام ثقيلة، اذكري أن الله قال:
> ﴿وَهُوَ الَّذِي أنزل السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
> فليست السكينة من صنع البشر، هي هديةُ الله لمن لم يجد مأوى إلا عتبة بابه.
تعبُك ليس نهاية الطريق،
إنما هي بدايته الحقيقية..
فأقسى اللحظات التي تمرّين بها، هي أكثر اللحظات التي يكون الله فيها قريبًا منك.
قد لا يخف الألم فورًا،
لكنه يتحول إلى معنى..
ومتى صار للألم معنى.. أصبح احتمالُه جميلاً.
إنها ليست صدفة أن تكون سجدة واحدة كفيلة أن تُغيّر يومك، ولا أن يكون دعاء في جوف الليل قادرا أن يُبدّل قدرك..
في تلك اللحظة، حين تبكين على السجادة وتقولين:
*”اللهم دلّني إليك”*
ستشعرين أن الله بحب الله، يفتح لك الأبواب ما كنت قد ظننتِه موصدًا إلى الأبد.
فيا حبيبتي يا صديقة الروح،
إن كنتِ تتعبين من الدوران في فلك الحياة،
فغيّري المدار..
واجعلي مركزه رضى ربك،
وسينضبط الكون من حولك..
وإن شعرتِ أنكِ تهوين في الظلام، فلا تخافي، لأنكِ حين تبلُغين القاع،
هناك بالضبط..
ستجدين نفسك بين يدي الله.
لك التحية والحب



