زوايا (١).. موجة الترندات الهزلية إلى أين؟
ثريا بنت علي الربيعية
نعيش في زمنٍ متسارعٍ يحمل في طياته الكثير من الأحداث المتباينة، في وقتٍ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تتحكم في الاتجاهات والآراء بقدر ما تبسط هيمنتها على كثيرٍ من العادات، لدرجةٍ صارت تُقاس فيه القيمة الظاهرية بعدد الإعجابات والمشاهدات على المنصات. وفي واقع الحال، تُعد “الترندات” من أبرز الظواهر التي حازت صدى لامس واقع الناس واهتماماتهم، وباتت تتردد على الألسنة بشكلٍ يومي بين الصغار والكبار، وعلى الأغلب فإنها بدافع العاطفة تكاد تسيطر حتى على المزاج العام، لكن الأمر المثير للقلق ليس مجرد بروز هذه الترندات، بل تفاهة كثيرٍ منها باعتمادها على الأفكار السطحية، والجدالات الفارغة التي تكون بعد ذلك حديث الساعة، وعلى الجانب الآخر تُهمّش القضايا الجوهرية التي كان من الأولى أن تُعمّق في عقول الناشئة. علاوة على ذلك، باتت هذه الترندات تقود كثيرًا من الأفكار أكثر من كونها مجرد محتوى عابر، ناهيك عن أنّ لها صدى جماهيريًّا على منصات التواصل الاجتماعي، جعل الكثير يلهث وراء سراب الشهرة، والتقليد الأعمى لترندات مختلفة الشكل والصور؛ فقد تكون على شكل سلوكٍ يتصدر المشهد لا يحمل أي قيمة فكرية، أو متابعة مقطع فيديو يبحث عن الإعجاب بلا معنى واضح.
بالطبع لا ننكر أنّ وسائل التواصل الاجتماعي تمثّل أداة فعّالة لا غنى عنها في عالمنا، ومن المعلوم أنها أصبحت همزة وصلٍ للتقريب بين الوجهات، والبلدان مهما تباعدت المسافات، لكن ما يجب التركيز عليه ضرورة تحري ما يُعين على الثبات على القيم الأخلاقية وسط التيارات الثقافية والعادات الدخيلة، وما يتوافق منها مع مبادئ ديننا الإسلامي، وأهمية تحديد الأهداف والغايات، وعدم الانجراف، واتباع كل ما يُصدّر لنا بغير دليل، كما أرشد رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- في هديه: “من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.
إذ من تمام الإيمان أن يبتعد الفرد عن كل ما يُلهيه من الأمور السطحية، والانشغال بما يُصلح ذاته ودنياه، وهذا الأمر يتناغم مع عدم اتباع الهوى والميل، ومثلما أُثر عن ابن القيم في كتابه [إغاثة اللهفان..] قوله: “الهوى يُعمي ويُصم، فإذا سكن القلبَ صار كالداء المستحكم”.
لا زيب فإن ظاهرة الترندات تستحق الدراسة والتأمل؛ لأنها تحظى بانتشارٍ واسعٍ في المجتمع يُعبّر عن قضية محلية تستحق الاهتمام، أو قد تتحول إلى حدثٍ عالميٍّ يشغل أذهان الناس، وقد تظهر بسرعةٍ ثم يختفي بريقها بعد فترةٍ وجيزةٍ بسبب جري بعض الناس وراء الترفيه السريع، والبحث عن المتعة الزائفة، أو السعي للشهرة دون وعي. فضلًا عن ذلك، فإنه قد تمثل حاجة الناس لتغيير الروتين من ضغوطات الحياة، أو أحيانًا تكون انعكاسًا لفراغٍ داخليٍّ يجعل البعض يُقدم على تحدياتٍ ساخرة، يتوهم تألّق نجمه في إعلاناتٍ وهمية، فينطفئ قبل أن يُحقق شيئًا. ولندرك تمامًا، مهما تعددت الأسباب وراء طفو هذه الترندات على سطح المشهد، لا يُغير ذلك من كونها تُبقي الأذهان في دوامةٍ بين مؤيدٍ ومعارض، ومتبعٍ وثابت، وقد يبلغ الأمر أن تتحول دائرة التواصل إلى جدالٍ متطرف الرأي.
من زاويةٍ أخرى، لو اتسعت رؤيتنا قليلًا لوجدنا وسط هذا الزخم من الضجيج، هناك من يُقدّر المحتوى المعتدل، ويحاول جاهدًا أن يترك أثرًا حقيقيًا في وسائل التواصل الاجتماعي بالمحتوى الرقمي القيّم، والترندات الهادفة التي تفتح آفاقًا للحوار، وتتطرق للقضايا الفكرية والثقافية التي توجه شريحةً كبيرةً من الشباب. فمن المعلوم أن الترند هذه الأيام يمكن أن يكون أداةً قويةً في توجيه الرأي العام والتأثير عليه، وقد تكون وسيلةً للضغط على الإدارات الكبرى وصنّاع القرار لتغيير القوانين وتعديلها؛ ما يدلنا على أنها قد تتخذ بُعدًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو فكريًا.
في ذات الوقت، أبدى الكثير من العقلاء وأهل الفكر، لا سيما المربين والمصلحين، وعيًا متناميًا في الوقوف على مثل هذا الأمر، إذ بدأوا يتساءلون عن مدى خطورة هذه الترندات على وعي المجتمع، وضياع الوقت بما لا جدوى منه، وهذا بحد ذاته يُشكل مؤشرًا لمرحلةٍ جديدةٍ قد تتصارع فيها الترندات الواعية التي يصنعها أصحاب الفكر والإبداع مع هذه الترندات الهزلية؛ بهدف غرس ثقافة الانتقاء لا الاتباع، وتكوين الرأي الثابت الذي يُوجه الطاقات لقيم البناء لا الهدم.
في نهاية المطاف، ليست مشكلتنا مع الترندات التي تظهر بحد ذاتها كوميضٍ يخطف الأبصار، وقد تحظى بقوة التأثير والاتساع بحيث لا تختفي تمامًا، لكن يبقى أمامنا تحدٍّ كبيرٌ للحفاظ على وعي المجتمع دون الانسياق لعاطفةٍ أو اتباع تيارٍ ما، بل إنّ من أعظم التحديات التي نواجهها اليوم هو كيف نُعيد البوصلة إلى وجهتها الصحيحة، نحو فكرٍ ناقدٍ يقرأ ما وراء الحدث بأبعاده، قادرٍ على الرؤية ببصيرةٍ في فضاءٍ إعلاميٍّ واسعٍ من الترندات التي لا تُغني ولا تُسمن.



