الحارة القديمة
يعقوب بن راشد بن سالم السعدي
كان “موسى” يجلس كل مساء على عتبة بيته الطيني، الممزوج بنيانه بشيء قليل من الصاروج الأبيض، المطل على السوق الشعبي، يراقب حركة الناس وهي تنساب كالماء بين الدكاكين، ويرى وجوه المارة وهي تتبدل بين الجد والكد، بينما في داخله يشتعل بركان لا يهدأ، خمسة أبناء أنجبهم من رحم الفقر ليكونوا عونه وسنده في شيخوخته، لكنهم باعوا كل ما رباهم عليه بثمنٍ بخسٍ من فلوس الحرام.
كان الأكبر “سالم”، قد صار العقل المدبر، يجمع المخدرات عبر البحر في قوارب صيد شبة مهترئة، بالكاد تم ترخيصها من الجهات المعنية، لا يجرؤ أحد على الشك فيها، أمّا “غانم” فكان يبيعها في الأزقة، بين المراهقين والعمال العائدين من الميناء، بينما “خالد وسعيد” صارا أداتين في يده، يغسلان الأموال ويقيمان الحفلات التي تختلط فيها رائحة الخمر بدخان الحشيش، وبعض النساء، وحده “منصور” الأصغر، كان يتردد بين خوفه على أبيه وسحر المال السهل، يعيش في منطقة رمادية من التمزق، كأنه ظلّ تائه بين نور الأب وعتمة الإخوة.
في إحدى الليالي، حين كان “موسى” يتوضأ لصلاة الفجر، اقتحمت الشرطة الحارة كعاصفةٍ من صفارات وسيارات زرقاء، تقتحم الأزقة كما لو كانت تطارد شياطين، كانت الأبواب تُركل بعنف، والأنوار تومض، والكلاب تنبح من فزعها، صاح الجيران من النوافذ، ورجال الشرطة يطاردون أبناء “موسى” بين بيوت الطين والصاروج، وفوق الأسطح بين السقوف وحطب الكندل، هرب “سالم” من نافذة بيتٍ قديمٍ كان يختبئ فيه، قفز إلى سطحٍ آخر، وتبعه “خالد” بسكين في يده، أما “غانم” فوقع في يد الشرطة وهو يصرخ كالمجنون:
– أنا ما بعت إلاّ السمّ لمن أراد السم!
لكنّ الضابط لكمه حتى خرّ صامتاً.
وقف “موسى” في منتصف الحارة، حافي القدمين، يصرخ بأسماء أبنائه واحداً تلو الآخر، وهو يجري مذعوراً بين الأزقة وسكيكها، لكن صوته غرق بين صرخات الجيران وصفارات الدوريات، حتى بدا كأنه صدى يخرج من قلب الجدران لا من فمه، من شدة ذعره، كانت يداه حين تُلامس الجدران تترك بصمة عرق بين حنايا الطين اليابس، وفي لحظةٍ مفاجئة، دوى صوت الرصاص من جهة السوق.
هرع “موسى” هناك، فوجد ابنه الأصغر “منصور” ساقطاً على الأرض، الرصاصة اخترقت صدره وهو يحاول أن يمنع أخاه “خالد” من إطلاق النار على الضابط، ركع “موسى” بجانبه، احتضنه، والدم يغمر كفيه، قال الابن وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة:
– أبويه… كنت أحاول أوقفهم… بس السوق ما يرحم اللي يتوب متأخر.
في تلك اللحظة سكنت الحارة، حتى الباعة القادمين للصلاة، والذين اعتادوا أن يصرخوا بأسماء سلعهم، صمتوا، وقف الضابط بجانب “موسى”، خفض رأسه احتراماً، ثم أمر رجاله أن ينسحبوا، جلس “موسى” عند باب السوق حتى الصباح، أنفاسه ثقيلة، ووجهه كأنه جدارٌ طُلي بملح البحر ودم الندم، ثم رفع رأسه نحو المئذنة البعيدة التي تعانق الضوء، والقمر يحتضنها من الخلف، وقال بصوتٍ متهدج:
– ما يطهر الحارة إلا الدم، بس يا رب، لا تجعل أولادي كلهم أضحية، لشعائر الفساد..
يُرفع الآذان وما زال “موسى” يحتضن ابنه “منصور”، وكأنه في فقد تام عن العالم من حوله.
وعندما انبلجت الشمس من مخدعها، وعانقت مساحات الكون، كانت الحارة القديمة تستعيد حياتها شيئاً فشيئاً، لكن بقعة الدم عند مدخل السوق ظلت شاهدة على حكايةٍ كتبها رجلٌ طيب، وختمها أبناؤه بختم الفساد والفراق الذي يقطع أوصال الشرايين، وفي المساء، كان أحد الشيوخ يروي لأطفاله فوق سطح أحد البيوت القديمة بالحارة:
– في هذا السوق، يا أولادي، كان يعيش “موسى”… الرجل الذي قاوم أبناءه الخمسة وحده، حتى صارت الحارة كلها تعرف أن الطيبة لا تُورَّث، وأن المال الحرام لا يبني بيتاً، بل يهدم جدار القلب أولاً، ثم يجتث أوصاله.



