فن اكتشاف الطالب
محمد بن علي بن سالم الشعيلي
مدرب التعليم الممتع والتفوق الدراسي
وزارة التربية والتعليم
في كل صفٍّ دراسي، هناك طالب يجلس في المقعد الأخير، ينظر إلى السبورة بعينٍ هادئة، يُخطئ أحيانًا، ويتعثر أحيانًا أخرى، وعندما يرفع يده يحاول ألا ترفع عاليا، عسى المعلم ألا يختاره للمشاركة، فيُسجَّل في خانة “الضعفاء”. لكن الحقيقة التي لا يراها الكثيرون هي أن هذا الطالب لا يقل ذكاءً عن غيره، بل ربما يحمل في داخله ومضة عبقرية تنتظر من يكتشفها، هذه الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون، فالتعليم ليس سباقًا في الحفظ ولا منافسة في الأرقام، بل هو رحلة لاكتشاف الذات وتنمية القدرات.
إن أخطر ما نفعله في مدارسنا هو أن نحكم على العقول بمعيارٍ واحد، وأن نقيس الذكاء بمسطرة الدرجات وحدها. فكما أسلفت بأن التعليم ليس سباقًا في الحفظ، ولا اختبارًا للذاكرة، بل هو رحلة إنسانية عميقة هدفها أن نصل إلى جوهر كل طالب، ونفتح له الباب نحو ذاته ليُدرك ما يميّزه.
لقد أثبتت الدراسات الحديثة ونظرية الذكاءات المتعددة لعالم النفس “هوارد جاردنر” أن الذكاء ليس قالبًا واحدًا جامدًا، بل هو عوالم متعدّدة: ذكاء لغوي، وذكاء رياضي منطقي، وبصري مكاني، وموسيقي، واجتماعي، وذاتي، وطبيعي، وحركي جسدي. وكل نوع منها هو نافذة تفتح على عالم من الإبداع.
فقد لا يُجيد الطالب حلّ المعادلات، لكنه يُبدع في الرسم أو حتى الصناعة. وقد لا يكتب نصًّا صحيحًا، لكنه يفهم مشاعر الناس بذكاء عاطفي نادر. وقد لا يحفظ القصائد، لكنه يمتلك تفكيرًا تحليليًا يجعله مهندسًا أو مخترعًا في المستقبل.
فأين المشكلة إذًا؟
المشكلة في أننا نُدرّس بعقلٍ واحد لعقولٍ كثيرة، ونطلب من الجميع أن يفكروا بالطريقة نفسها، ثم نلومهم إن لم يتشابهوا!
نضع الطالب في قالب ضيّق، ونحكم عليه من زاوية واحدة، متناسين أن التعليم الحقيقي هو فن الوصول إلى كل عقلٍ بالطريقة التي يفهم بها، لا بالطريقة التي نُفضّلها نحن.
إننا فعلا بحاجة إلى ثورة تربوية تجعل من المدرسة مصنعًا للعقول المتنوعة لا قالبًا واحدًا.
إن أعظم ما يمكن أن يقدمه المعلّم هو أن يؤمن بأن كل طالب قادر على الوصول إلى القمة، فالمعلم العظيم لا يصنع الأذكياء، بل يوقظ الذكاء النائم في أعماق طلابه؛ وهذا أجمل ما في التعليم أنه ليس نقلًا للمعلومة فحسب، بل إيقاظ للعقل، وبعث للروح، وإيمان بالإنسان.
نعم، إن مستقبل التعليم لا يقوم على التلقين، بل على اكتشاف الإنسان في داخـل كل طالب.
وحين نفعل ذلك؛ سنكتشف أن مدارسنا لا تخرّج أرقامًا في كشوف النتائج، بل قصصًا من الإبداع، وأرواحًا وُلدت لتُبدع وتُغيّر وتترك أثرًا في الحياة.
نحن بحاجة ماسة إلى تحول تربوي عميق في مدارسنا، يبدأ من قناعة المعلم بأن كل طالب مبدع في مجال ما، ويمر عبر أساليب تدريس تُراعي الفروق الفردية وتنوع القدرات، وينتهي ببيئة صفية تفتح الأبواب أمام الإبداع لا أمام القوالب الجاهزة.
حينها فقط سنُدرك أن التعليم ليس صناعة متشابهة القوالب، بل هو فن اكتشاف الإنسان، وأن كل طالب — دون استثناء — قادر على الوصول إلى القمة، إذا وجد من يؤمن بذكائه ويمنحه الفرصة ليُظهره.



