الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

المرأة العُمانية .. ركيزة التمكين ورؤية المستقبل

   خلف بن سليمان البحري

يأتي يوم المرأة العُمانية بوصفه محطة وعيٍ وامتنان، تتأمل فيه البلاد مسيرة ابنتها التي سارت إلى جوار النهضة منذ فجرها الأول. لم تكن المرأة في عُمان ظلًّا لأحد، بل نورًا موازيًا ورؤية صافية حملت الوطن في الوجدان، وعملت له بعقلٍ منظمٍ وإرادةٍ صلبة وإيمانٍ بأن خدمة الوطن شرف لا يُقاس بغيره. ومن هنا تشكّل حضورها كشريك أصيل في صياغة الحاضر واستبصار الآتي.

منذ انطلاقة النهضة المباركة، آمن السلطان الراحل قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه، بأن التنمية لا تستقيم من دون مشاركة المرأة. فتح أمامها مسارات التعلم والعمل والمسؤولية، فصار تمكينها واقعًا متحققًا لا شعارًا يُردَّد. واليوم يواصل جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظَّم، حفظه الله ورعاه، النهج ذاته برؤية عصرية متزنة تجعل العدالة وتكافؤ الفرص قاعدة للبناء، وتعدّ إشراك المرأة استثمارًا واعيًا في مستقبل الدولة وقدرتها على التجدد.

وجاءت رؤية عُمان 2040 لتجعل هذا الإيمان منهجًا عمليًّا واضح المعالم؛ إذ وضعت المرأة في قلب استراتيجياتها بوصفها شريكًا فاعلًا في الاقتصاد والمعرفة والمجتمع، وأكّدت أن التمكين الحقّ يقوم على التدريب والمهارة والثقة بالقدرة على الإنجاز. بهذا المدخل تحوّلت المرأة العُمانية إلى قوة فكرية وسلوكية تدفع التحول نحو اقتصاد المعرفة، وتغذّي ثقافة الجودة والابتكار في القطاعات كافة.

تجلّى أثر هذا المسار في صورٍ لا تُحصى: مسؤولةٌ تدير بعقلٍ يقظ وقلبٍ رحيم، وباحثةٌ تكتب بالعلم مستقبل وطنها، وطبيبةٌ تحرس صحة الإنسان، ومهندسةٌ تقيم ركائز البنية المستدامة، وإداريةٌ تضبط الإيقاع وتُحسن توجيه الموارد. تعمل في صمتٍ يسمعه كل من يقرأ النتائج، وتترك أثرًا لا يحتاج إلى ضوضاء ليثبت حضوره. وقد أثبتت التجربة أن الإخلاص في العمل هو أبلغ صور الانتماء، وأن الجدارة معيارٌ لا يميز بين امرأةٍ ورجل، بل بين من يعِد ومن يفي.

ولأن المرأة في عُمان ليست دخيلة على المشهد الوطني، فقد واءمت بين الأصالة والمعاصرة بوعيٍ متجدد؛ تستلهم من التراث ما يعمّق الهوية، وتستفيد من روح العصر ما يوسّع الأفق. الأصالة عندها ليست تكرارًا للماضي، بل إدراكٌ لقيمه وتطويرٌ لأدواته، والانفتاح ليس انفصالًا عن الجذور، بل تعظيمًا لها بما ينسجم مع قيم المجتمع وثوابته. هكذا صارت المرأة العُمانية نموذجًا حضاريًّا يجمع الحياء بالقوة، والطموح بالتواضع، والخيال العملي بالإرادة الحاسمة.

ويحمل يوم المرأة العُمانية معنى أبعد من الاحتفاء الرمزي؛ فهو وقفة مراجعة لما تحقّق وتثبيتٌ لعهدٍ جديد على أن يظلّ التمكين مشروعًا وطنيًّا مستمرًّا لا يحده زمن. فالمنجزات التي راكمتها المرأة لم تصدر عن منحةٍ عابرة، بل عن استحقاقٍ صاغته الدراسة والخبرة والالتزام. ومع كل جيلٍ جديد تتسع الدائرة وتتنوّع المسارات: من التعليم المتخصص إلى ريادة الأعمال، ومن الإدارة الرشيدة إلى العمل الأهلي، يُعاد تعريف النجاح بوصفه خدمةً للمصلحة العامة وتوسيعًا لخيارات المستقبل.

إنّ قصص النساء في عُمان وثائقُ ثقةٍ بالذات الوطنية. في كل حكايةٍ شخصية نلمح فصلًا من سيرة الوطن: معلمةٌ تصنع أثرًا يتجاوز حدود الصف، ومبتكرةٌ تحوّل فكرةً إلى قيمةٍ نافعة، ومشرفةُ عملٍ تُعيد ترتيب الفوضى إلى نظام. ومع كل أثرٍ كهذا يترسّخ في الوعي أن النهضة مشروع جماعي يقوم على الجدارة، وأن الكفاءة هي اللغة التي يفهمها الجميع.

بهذا المعنى، فإن الاحتفاء بالمرأة العُمانية هو احتفاءٌ بعُمان نفسها؛ بعراقتها ونهضتها وإنسانها. ليس نهاية طريق، بل بدايةٌ متجددة لمسيرةٍ لا تعرف التوقف عن التقدم. ففي كل نجاحٍ يُروى عن امرأةٍ من هذا الوطن، تزداد ملامح المستقبل وضوحًا، ويتأكد أن الشراكة الحقيقية لا تُقاس بالشعارات بل بالمسؤولية والعمل. وهكذا تبقى المرأة العُمانية ركيزة التمكين ورؤية المستقبل، وتبقى رسالتها رسالة الوطن ذاتها: نهضةٌ يصنعها الجميع، بإرادةٍ واحدة، وعزمٍ لا يلين، بعيدًا عن سؤالٍ عتيقٍ عمّن يصنع المجد، أهو امرأة أم رجل؛ فالمجد في عُمان تصنعه الكفاءة حين تلتقي بالفرصة وتُصدّقها الإرادة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights