التسامح العُماني… بين القناعة والمجاملة
حمدان بن هاشل العدوي
يُوصف المجتمع العُماني منذ القدم بأنه من أكثر المجتمعات العربية تسامحًا واعتدالًا، وهي سمة لم تأتِ من فراغ، بل من إرثٍ ديني وثقافي عميق جعل من العُمانيين نموذجًا في التعايش والاحترام المتبادل. إلا أن التساؤل الذي يفرض نفسه اليوم، ونحن نعيش زمن التغيرات الاجتماعية المتسارعة: هل ما زال التسامح العُماني متجذرًا في النفوس كما كان، أو أنه بات سلوكًا اجتماعيًا شكليًا تُحرّكه المجاملة أكثر مما تعبّر عنه القناعة؟
بين التسامح والمجاملة
التسامح الحقيقي لا يُمارَس من باب اللطف الاجتماعي أو الحرص على الصورة العامة، بل ينبع من اقتناعٍ داخلي بأن الصفح قوة، وأن تجاوز الإساءة نضجٌ إنساني لا ضعف.
لكن حين يتحول التسامح إلى أسلوب مجاملة يُقصد به فقط “الحفاظ على الهدوء الاجتماعي”، يصبح نوعًا من الأقنعة التي نرتديها لنبدو كما يريدنا المجتمع، لا كما نحن في داخلنا.
في الحياة اليومية، كثيرًا ما نرى من يبتسم في وجه من أساء إليه، لا حبًا في التسامح، بل خوفًا من الصدام أو من أن يُقال عنه “ضيق الصدر”. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نُسامح لأننا نؤمن بفضيلة التسامح؟ أو لأننا لا نريد أن نخسر مظهرنا الاجتماعي الهادئ؟
بين المحاكم وضمير المجتمع
يُثير ازدياد القضايا في المحاكم بين العُمانيين أنفسهم تساؤلات حول ما إذا كان هذا التحول يعكس تراجعًا في ثقافة التسامح، أم أنه تطور طبيعي في وعي الناس بحقوقهم.
فمن جهة، يمكن أن يُفهم لجوء الأفراد إلى القضاء على أنه ضعف في قنوات التواصل الاجتماعي والتصالح الودي، ومن جهة أخرى، هو دليل على نضج قانوني يعزز مفهوم العدالة ويحدّ من التعدي على الحقوق.
لكن التسامح لا يتناقض مع العدالة، بل يكمّلها. فالصفح لا يعني التنازل عن الحق، بل القدرة على تجاوز الأذى بعد تحقيقه. وما نحتاج إليه هو وعيٌ يُوازن بين المطالبة بالحقوق، وممارسة التسامح كقيمة إنسانية لا تنقرض مع الزمن.
مع من أُسامح… ولماذا؟
مع من أُسامح حتى يُقال عني متسامح؟
هل أُسامح من ظلمني؟ أو من أساء فهمي؟
هل التسامح أن أُسكت على الخطأ، أو أن أُواجهه بلطف دون كراهية؟
التسامح لا يُقاس بعدد المرات التي نُسقط فيها حقنا، بل بمدى نُبلنا في التعامل مع من يختلف معنا. هو موقفٌ أخلاقي قبل أن يكون سلوكًا اجتماعيًا، وقرارٌ قلبي لا يُفرض بضغط التقاليد أو رغبة الظهور بمظهر “المتصالح مع الجميع”.
وختاما، فالتسامح ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا قيمةً تُدرّس في المناهج فقط، بل هو ممارسة يومية تبدأ من احترام الذات وتنتهي بفهم الآخر.
ولعل ما نحتاجه اليوم هو مصارحة جماعية مع الذات: هل نحن مجتمع متسامح حقًا، أو أننا مجتمع يُجيد فنّ التهدئة الاجتماعية والمجاملات الودية التي تُشبه التسامح شكلا وتختلف عنه جوهرًا؟
فالتسامح الذي لا يصدر عن قناعة، لا يعيش طويلًا… تمامًا كما أن المجاملة التي تُخفي الغضب لا تُبني بها مجتمعاتٌ مستقرة.



