رواية نادية .. (الجزء 10 و 11)

فايل المطاعني
المشهد العاشر: الصرخة
كانت الليلة ساكنة داخل جناح “الملاحظة النفسية”، لكن العاصفة اشتعلت في صدر نادية.
جلست في زاوية غرفتها، الدمية في حجرها، عيناها شاخصتان إلى السقف… ثم همست:
انظري يا “ليلى”… هل تسمعينهم؟ إنهم يطرقون الباب… مرة أخرى.
ثم وضعت الدمية جانبًا، وبدأت تدور في الغرفة ببطء. كل خطوة منها كأنها تقطع مسافة بين الحاضر والماضي.
وفجأة، ركعت على الأرض، ووضعت يدها على أذنيها، وبدأت تصرخ:
لاااااا… لا تفتحي الباب يا نادية! لا تفتحيه!
كانت الدكتورة بدرية تراقب المشهد من خلف الزجاج، إلى جوارها ممرضة مذعورة، سألت:
هل نحضر لها مهدّئًا؟
هزّت الدكتورة رأسها:
لا… دعينا نرى إلى أين تصل.
وفي الداخل، كانت نادية قد دخلت في حالة استرجاع عميق… عيناها مفتوحتان، لكنها لا ترى الحاضر.
بدأ صوتها يتهدج:
كانت تمطر في تلك الليلة… وأنا في الغرفة أسمع همسات… همسات نجاة تبكي… وتقول “لا أريد الزواج منه، لا أريده”… ثم جاء فؤاد.
سكتت لحظة، ثم نظرت إلى الحائط، وكأنها تراه يتحول إلى باب:
طرق الباب… فتحته نادية… دخل وهو غاضب، صفع نجاة. وأنا؟ أنا كنت أختبئ خلف الستارة. كنت أرتجف.
هنا بدأت الدموع تنهمر من عينيها دون وعي
رأيته يدفعها… رأسها اصطدم بالزاوية… ثم… ثم الدم… كثير من الدم…
صرخت:
نجاة لم تمت في البداية! كانت تتنفس!
نهضت فجأة وبدأت تضرب الحائط بيديها، تصرخ:
فؤاد! فؤاد دفنها وهي تنظر إليه! كانت تصرخ في عينيه!
تقدّمت إحدى الممرضات لإيقافها، لكن الدكتورة أوقفتها مجددًا.
ثم همست لنفسها:
هذا ليس انهيارًا… هذا تَذكُّر.
وعادت نادية لتهمس، بصوت باكٍ:
ثم… قال لي: “أنتِ نادية الآن، هل تفهمين؟ نادية… زوجتي. نادية لا تعرف شيئًا… نجاة هي من ماتت… أنتِ نادية”.
غطّت وجهها بيديها، وهمست:
كنت صغيرة… خفت. خفت منه… وصدّقت الكذبة.
ثم نظرت إلى الزجاج، مباشرة في عيني الدكتورة، وقالت بصوت خافت:
لكن الكذبة بدأت تخنقني… والصرخة لا تزال في أذني
يتبع…
المشهد الحادي عشر : وجهًا لوجه
تدحرجت عجلات الكرسي المتحرك ببطء في ممرات المستشفى، بينما كان فؤاد سالم يُقاد وسط حراسة مشددة.
وجهه متجهم، وسيجارته غائبة هذه المرة.
لا صوت سوى وقع خطوات الجنود، وأنين ضوء النيون في السقف.
أمام غرفة الملاحظة، وقفت الدكتورة بدرية بوجه جامد، إلى جوارها الضابط رائد الذي قال بنبرة جافة:
دعوه يدخل… لكن تحت مراقبة مشددة. خمس دقائق فقط.
فُتح الباب، ووقف فؤاد على العتبة، يحدّق في الجالسة على الكرسي قرب النافذة.
لم تلتفت إليه. كانت تنظر إلى السماء… حيث أسراب الطيور تطير بعيدًا عن الأسوار العالية.
قال بصوت حاول فيه التماسك:
نادية…
لم ترد. ظلّت صامتة.
تقدّم بخطوات حذرة، وجلس أمامها. نظرت إليه أخيرًا.
عيناها لم تكن فيها نادية… بل نجاة.
قالت بهدوء:
تأخرت كثيرًا، فؤاد.
توتّر، وحاول التهرب:
أتيت لأفهم فقط… لماذا قلتي كل تلك الأكاذيب؟ لماذا تتظاهرين بأنك نجاة؟
ضحكت ضحكة باهتة، وقالت:
أنا لم أتظاهر. أنت مَن تظاهر… بأنك لم تقتلني
شهق فؤاد.
لكنها واصلت، بنبرة مشبعة بالحزن:
كنت أختي الصغيرة… رأيتك تفعلها. سمعت صراخي. رأيت الأرض تشرب دمها… رأيتك تزرع الجثة في القبو.
اقترب منها، وهمس بانفعال:
اخرسي! لا أحد سيصدقك! أنتِ مجنونة! كل تقارير الأطباء تؤكد أنك لستِ في وعيك!
قالت:
لو كنتُ مجنونة… لما تبللت الآن.
ونظرت إليه… فعيناه كانتا تغرقان بالدموع، رغمًا عنه.
دخل الضابط فجأة:
انتهى الوقت.
وقف فؤاد بسرعة، يحاول استعادة توازنه، لكن الكلمات التي خرجت من فمها الأخيرة جعلته يترنح:
نجاة… لم تمت في القبو.
تجمّد.
ماتت حين لم تجد مَن يصدق صراخها… حين اخترتَ أن تطمسها داخل نادية.
يتبع…


