نقطة أول السطر .. مهرجان الوداع (هيثم الذي بكت عليه سمائل)

عادل بن حميد الجامعي
في أولِ وهلةٍ للخبر..
كنّا كمن أُصيب في النخاع..
لم نصدق، ولم نشأ أن نصدق..
قلنا لعلها شائعة..
قلنا لعلهم أخطؤوا في الاسم…
لكن الاسم كان هيثم..
والوجه الذي غاب.. لم يكن سواه..
بكينا كما يبكي الأطفال!
بكينا بملء صوتنا المكتوم..
كأنّنا نُودّع ضوءًا في عيوننا..
كأنّ شيئًا من أرواحنا قد رحل..
ما هكذا يرحل مَن يُحبّه الناس..
ما هكذا يُغلق باب الضحكة..
ولا هكذا يسكت صوت السلام الذي كان يسبقك..
كان الفقد مؤلمًا..
مباغتًا..
قاسيًا..
كأنّه صفعةٌ من زمنٍ لا يعرف الرحمة..
لكننا ما كدنا نستفيق من الدهشة،
حتى رأينا مشهدًا آخر..
مشهدٌ تهتز له الجبال، وتلين له القلوب:
موكب الحبّ..
طوفان الوداع..
عزاءٌ لا يُشبه شيء مما عهدنا..
الطرقات امتلأت..
الولاية ازدحمت حتى اختنقت بالمحبين..
الناس اصطفوا كأنهم يشهدون مهرجانا من إبداعك..
من دوّار سمائل إلى مجلس العزاء..
السيارات لا تتحرك إلا ببطء المواكب..
والأرواح تمشي زحفًا.. زحفًا..!
كأنها ترفض أن تُفارق هيثم بلا لمسة وداع..
أقسَم بعضهم أنهم ما شهدوا مثل هذا المشهد من قبل..
وقال آخرون: ما ازدحمت سمائل هكذا منذ زمن العيد.. وما اجتمع الناس هكذا إلا ليلة العيد حين انبريت لتزين رؤوسهم بأنيق مصارك وعمائمك..
ومَن يعرف سمائل.. يعرف أنها لا تبكي أحدًا بهذا الشكل..
إلا مَن أحبها حتى نطقت بحبه..
دخلنا مجلس العزاء..
فوجدناه بحرًا من المحبين..
كان السلام يُختصر..
والعناق يُختزل..
والخطى تُسرع..
فالمكان مزدحمٌ حتى تكاد لا تجد موطئًا للقدم..
كلّ شيء كان يقول:
هذا ليس عزاءً عاديًا.. هذا وداعُ هيثم..
لم يكن مشهدًا للمجاملات..
ولا واجبًا اجتماعيًا..
بل كان بكاءً حقيقيًا في عيون الكبار والصغار..
أصحاب الطفولة..
وزملاء مازن بن غضوبة..
وكل من لامستهم يد هيثم الخير..
هناك.. وسط العزاء.. وفي قلب المجلس..
رأينا والدَه عبدالله واقفًا.. شاخصا..
بعينين تكسوهما الرحمة والصبر..
يعزّينا.. !! وهم المفجوعون برحيلك..
رأيناه يُربّت علينا.. ونحن من يجب أن يُربّت عليه.. يقول لي: رحل صاحبكم فاصبروا!
فقلنا: يا الله..
ما هذا الثبات؟
ما هذه الكرامة؟
ما هذا النور الذي أحاط بالعزاء كله؟
كأن الله أراد أن يُكرّم عبدًا من عباده..
فجعل محبته في قلوب العباد تظهر كما لم تظهر من قبل..
هيثم…
نحن لا نعلم ما كنت تفعله بينك وبين الله.. -ولا نزكي على الله أحدا- لكننا رأينا ما فعله الله لأجلك بيننا..
وهذا وحده.. يملأ قلوبنا أملًا..
ويزرع فينا سكينة ما عرفناها من قبل..
عجيبٌ أن ترى عزاءً بهذه الهيبة..
عجيب أن يموت شاب.. فيحيا في القلوب أكثر..
عجيب أن تنطفئ شمعة.. فتضيء مدينة بأكملها..
هيثم يا أخانا الجميل..
كنا إذا جلسنا في مجلس.. كنت بسمة الأصحاب..
وإذا اجتمعنا في تطوع وتحت لواء الكشفية.. كنت قائد البهجة..
وإذا حضر الشباب مشاريعهم.. كنت جامعهم، ورافعهم، وداعمهم..
كنت الصوت الذي لا يخفت..
واليد التي لا تُقصّر..
والبسمة التي لا تنطفئ..
وها نحن اليوم.. نبكيك..
لكننا نبكيك بفخر..
نبكيك ونشهد الله أنك ما كنت عاديًا..
هيثم..
لقد بكتك أزاهيج سمائل وأهازيجها.. بكتك أمهات صففن خلف الأبواب تقضي مآربها.. وأطفالٌ لا يفهمون معنى الموت..
وأشياخٌ ما عرفوا عنك إلا معروفك..
لقد بكتك دموع ما طرقتهنّ إلا يدك تحمل لهنّ الخير..
وبكتك طيورُ الحي..
وزغاريد العيد التي ما اعتادت أن تصمت.. إلا إذا غاب هيثم..
ألا ما أكرم الله بك من عبد..
يُقيم لك عزاءً يُشبه المهرجان..
ويجعل الناس تتوافد كأنها تؤدي مناسك القلوب..
لقد كنتَ بيننا ضياء..
وها أنت عند الله..
نورًا.. بإذن الله لا يخبو..
نسأل الله أن يرحمك رحمةً واسعة،
وأن يُنزلك منازل الشهداء والأبرار،
وأن يُلهم أمك الثبات..
وأباك الصبر.
وأخاك وأخواتك وكل محبيك.. السلوان.
ونسأله تعالى أن يبارك في الحَسن والحُسن والحسناء والحسنى وإحسان والسلطان بن هيثم .. ويكونوا لك مددا وحبا وبرا ويبارك في أمهم الصابرة..
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون..
