اللغة الأم أول الطريق إلى النهضة
يوسف بن مبارك بن سليّم المقبالي
التعليم بغير اللغة الأم: إهدار للطاقات وفقدان للهوية
في عالم تتسارع فيه وتيرة التطور، وتتنافس فيه الأمم على الريادة العلمية والمعرفية، يبرز التعليم كأهم ركيزة لبناء الإنسان وتمكينه من أدوات العصر. غير أن هذه الركيزة قد تهتز إذا تم بناؤها بلغة غير اللغة الأم، مما يؤدي إلى نتائج كارثية على مستوى الفهم، والإبداع، والانتماء.
ضياع الطاقات في الترجمة لا في التعلم:
حين يُجبر الطالب على تلقي العلوم بلغة أجنبية لا يتقنها، فإن جزءًا كبيرًا من جهده يذهب في محاولة فك رموز اللغة، لا في فهم المعلومة ذاتها. يصبح التعليم حينها عملية مزدوجة: تعلم اللغة وتعلم المحتوى، مما يثقل كاهل المتعلم ويشتت تركيزه. وقد أثبتت دراسات تربوية عديدة أن الفهم العميق والتحليل النقدي يرتبطان ارتباطًا وثيقًا باستخدام اللغة التي نشأ عليها الإنسان وتفاعل بها مع محيطه.
فقدان المعلومات وتشوّه المفاهيم:
اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء للثقافة، وأداة لصياغة المفاهيم. وعندما تُنقل العلوم بلغة أجنبية، فإن كثيرًا من المصطلحات والمفاهيم تفقد دقتها أو تُفهم بشكل مغلوط. هذا يؤدي إلى تشوّه في البناء المعرفي، ويجعل المتعلم تابعًا لا منتجًا، ناقلًا لا مبدعًا.
اللغة الأم؛ مفتاح النهضة والتقدم:
لا توجد دولة نهضت علميًا إلا وقد جعلت لغتها الأم أساسًا للتعليم. اليابان، ألمانيا، الصين، فرنسا، كلها دول اعتمدت لغتها الوطنية في تدريس العلوم، فاستطاعت أن تنتج المعرفة لا أن تستهلكها فقط. التعليم بلغة البلد يعزز الانتماء، ويحفز الإبداع، ويجعل المعرفة جزءًا من النسيج الثقافي والاجتماعي.
الخلاصة:
إن التعليم بغير اللغة الأم ليس مجرد خيار تربوي، بل هو قرار مصيري يحدد مستقبل الأمة. فكل طاقة تُهدر في تعلم لغة أجنبية على حساب الفهم الحقيقي، وكل معلومة تُفقد بسبب ضعف الترجمة، هي خسارة لا تعوض. وإذا أرادت أي دولة أن تنهض وتنافس، فعليها أن تبدأ من لغتها، فهي الجسر الحقيقي نحو التقدم، والهوية، والكرامة.



