السابع من أكتوبر المجيد.. عامان من النار والصمود
عمر الفهدي
غزة – خاص
عامان يمران منذ السابع من أكتوبر، اليوم الذي غيّر وجه المنطقة، وأعاد رسم خرائط الألم والكرامة في آنٍ واحد. عامان بالتمام والكمال، لم تعرف فيهما غزة طعم الهدوء، ولم يرفّ فيها جفن لأمٍ أو طفلٍ أو مقاتلٍ يذود عن مدينته. حربٌ مفتوحة التهمت الأخضر واليابس، وحوّلت غزة إلى كتابٍ مكتوبٍ بالدم والرماد.
منذ ذلك اليوم، بدا الزمن في غزة وكأنه توقف. لا شيء يتغير سوى أرقام الشهداء، ولا جديد سوى الدمار المتجدد مع كل فجرٍ جديد. صارت البيوت أطلالًا، والسماء مدرجًا للطائرات، والبحر شاهدًا صامتًا على جراحٍ لا تندمل.
عامان من النزوح المستمر، من البحث عن مأوى، عن لقمةٍ تبقي الإنسان على قيد الحياة فقط ليشهد فصلًا جديدًا من المأساة نفسها.
لكنّ ما لم يدركه العالم بعد، أن الحرب هنا لم تعد مجرد مواجهةٍ عسكرية. لقد أصبحت أسلوب حياةٍ قسريٍّ يعيشه الغزيون بكل تفاصيله، جزءًا من هويتهم اليومية. ورغم كل شيء، لم يُهزم الإنسان في غزة، ولم يُنتزع من قلبه معنى الصمود.
ما زال الطفل يلهو بين الركام، والأم تعجن الخبز من رماد القصف، والشيخ يرفع يديه بالدعاء في وجه عالمٍ أصمٍّ أبكم، يرى الدم ويعبر كأنه لا يرى.
عامان من الحرب، وما زالت غزة تقاوم البقاء والنسيان معًا. لم تطلب الكثير، فقط أن تعيش كبشر، أن تُدفن بسلام إن ماتت، وأن تحيا بكرامة إن بقيت. لكنهم أرادوا لها أن تُمحى ببطءٍ من الوجود، وأن تُخرَج من ذاكرة العالم.
ورغم كل ذلك، تظل غزة ثابتة، تكتب التاريخ بدمها وصبرها، وتعيد صياغة الذاكرة الإنسانية بصوتها العالي الذي لا يُخمده الحصار ولا البارود.
عامان من النار والرماد، لكنها ما زالت هنا، تنزف وتصرخ وتنتظر فجرًا لا يشبه كل هذه الليالي السوداء.
7 أكتوبر للعام الثاني.. من حرب الإبادة، ومن دروس الصمود التي لا تُنسى.



