الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

هل نجحت حكومة التكنوقراط في عُمان؟

 صالح بن ناصر المحروقي

منذ تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – مقاليد الحكم في عام 2020، دخلت السلطنة مرحلةً جديدة من التحول الإداري والاقتصادي، كانت أبرز سماتها إعادة تشكيل الجهاز الحكومي بما يتسق مع متطلبات رؤية عُمان 2040، وقد لفت انتباه كثيرين الطابع الأكاديمي الرفيع الذي غلب على أعضاء الحكومة الجديدة، حيث يحمل عدد كبيرٌ منهم شهادات دكتوراة من جامعات عالمية مرموقة، ما أثار تساؤلات حول مدى نجاح هذا النموذج في تحويل المعرفة إلى أداء فعّال يلمسه المواطن.

يُعرف نموذج التكنوقراط بأنه حكومة الكفاءات العلمية التي تعتمد على أصحاب التخصصات العميقة، والخبرة التقنية في صنع القرار، وذلك على افتراض أنّ المعرفة الدقيقة تقودُ إلى قرارات أكثر صواباً، وأبعدَ عن الانفعال والعشوائية، ولكن هل يصلح هذا النموذج في بيئةٍ اجتماعيةٍ معقدةٍ كبيئة المجتمع العُماني، الذي لا يُدار فقط بالأنظمة والقوانين، بل وأيضاً بالعلاقات والقرب من الناس؟

الواقع أنّ حكومة ما بعد 2020 جاءت بملامح واضحة لحكومة التكنوقراط، فالمؤهلات العلمية أصبحت معياراً أساسياً في التعيينات، وتقدمت الكفاءات الأكاديمية الصفوف الأولى في الوزارات، إيذانا بمرحلةٍ جديدة تُعلي من شأن الفكر المؤسسي، وتُقللُّ من الارتجال، غير أنّ السؤال ظلّ مطروحاً حول ما إذا كانت هذه المؤهلات الأكاديمية الرفيعة قد انعكست فعلاً على جودة القرار الحكومي وفاعليته؟!

لا شك أنّ لنموذج التكنوقراط مزايا كبيرة، فقد ساهم في رفع جودة السياسات العامة في بعض القطاعات الحيوية، وأدخلَ روح الانضباط الإجرائي والتفكير العلمي إلى أجهزة الدولة، كما أسهمَ في تسريع التحول الرقمي، وبناء الهياكل المؤسسية على أسس أكثر حداثة، ولكن علينا أن نعترف بأنّ الكفاءة التقنية وحدها لا تكفي إن لم يصحبها فهمٌ دقيقٌ لطبيعة المجتمع وقيمه وسلوكه، فالمعادلة الناجحة يجب أن تجمعَ بين العلم والخبرة الميدانية والوعي الاجتماعي.

إنّ أحد أبرز تحديات حكومة التكنوقراط أنها قد تفقد الحسّ الشعبي، والقدرة على قراءة المزاج العام للمجتمع، فتصدر قرارات صحيحة من حيث الصياغة، لكنها ناقصةٌ من حيث التوقيت أو الاستيعاب الاجتماعي، ومن هنا تنشأُ فجوةٌ بين العقل الإداري والعقل المجتمعي، تُفضي إلى مقاومة القرارات بدل تبنيها، وإلى سوء فهم النوايا بدل تعزيز الثقة.

ومن أهم السمات التي يُفترض أن تتوافر في أي حكومة ناجحة هي سمة الرشاقة، أو ما يُعرف في علم الإدارة بـ “Agility” ، وهي القدرة على التكيف السريع مع المتغيرات، واتخاذ القرار بمرونة من دون الوقوع في التخبط، فالحكومة الرشيقة هي التي تستبق التحديات ولا تنتظرها، وتُحوّلُ المعلومة إلى إجراء في الزمن المناسب، دون إفراط في التأني، ولا تهور في العجلة.

لكنّ الواقع يُظهر أنْ كثيراً من المؤسسات لا تزال تعيش على ردود الأفعال، تُلاحقُ الأخطاء بعد وقوعها، ثم تستهلكُ وقتها في معالجتها، فتتأخر عن الاستعداد للمستقبل، وحين تكون ثقافة العمل الإداري قائمةً على ردّ الفعل، تصبحُ التنمية سلسلةً من الترقيعات، ويضيع الجهد في إصلاح ما فات، بدلاً من بناء ما هو آت!

وحتى نعالج هذا الخلل، ينبغي أن تتبنى مؤسساتنا الحكومية منهجاً تشاركياً في صناعة القرار، يسبقُ القرارات الكبرى بنقاشٍ علنيٍ، ودراسةٍ وافية لردود الفعل المحتملة، فالمجتمع ليس متلقّياً صامتاً، بل هو شريكٌ في صياغة السياسات العامة، ومشاركة الناس في القرار سوف تُقلّل من الأخطاء، وتُعزّزُ من الثقة، وتُحوّلُ التوتر إلى توافق وإنسجام.

ومن هنا يأتي سؤالٌ آخر: فهل يكفي أن يكون الوزير أو المسؤول صاحب شهادة عالية، أم أنّ المطلوب هو أن يكون صاحب خبرةٍ وقدرةٍ على فهم الأرض التي يعمل فيها؟ فبعض الوزارات لا ينبغي أن تُدار من وراء المكاتب، بل تحتاجُ إلى تماس مباشرٍ مع نبض الناس، ومعايشةٍ واقعية لتفاصيل حياتهم، وهو ما لا تُقدمه الشهادات الأكاديمية مهما علت درجتها.

إنّ التوازن الأمثل ليس في المفاضلة بين الأكاديمي والميداني، بل في الجمع بينهما، والحكومة المثالية في نظري، هي التي تُشكّل فرقًا هجينة تجمعُ بين أصحاب الفكر النظري العميق، وأصحاب التجربة الواقعية الغنية، فالأولون يُقدّمون الرؤية، والآخرون يُقدّمون التطبيق، وباجتماعهم تتولدُ السياسات الأكثر حكمةً ونضجاً.

ولعلّ من المناسب أن يقود الشباب المرحلة التنفيذية القادمة، فهم الأقدرُ على التكيّف، والأسرعُ في التفاعل مع التحديات الرقمية والاقتصادية المتسارعة، على أن يبقى للخبراء وأصحاب التجارب العميقة موقعهم الطبيعي كمستشارين يوجّهون، وليس كقيادات تتحكم بإيقاع التغيير.

أما اختيار القيادات، فينبغي أن يتجاوز معيار الشهادات إلى معيار الكفاءة الفعلية، أي إلى القدرة على الإنجاز وإدارة الأزمات وقيادة الفرق، فالقائد الفعلي ليس من يحمل شهادة، بل من يُحدث فرقاً قابلاً للقياس في زمنٍ محددٍ وبمواردٍ محدودة.

إنّ كفاءة الحكومة لا تُقاس بعدد القرارات الصادرة منها، بل بمردودها على المال العام وجودة الخدمات، والتوفير الحقيقي لا يكون في خفض الإنفاق، بل في رفع قيمة العائد من كل ريال يُصرف، وفي الشفافية في عرض النتائج بحيث يفهم المواطن أين تذهب موارده ولماذا.

وتحتاج رؤيتنا الوطنية إلى مزيد من التناغم بين الوزارات، فنجاح أي قطاع مرهون بعمل القطاعات الأخرى، ولا يكفي أن تعمل كل وزارة بجهدها، بل يجب أن تُدار الحكومة كلُّها كجسمٍ واحدٍ بخطةٍ موحدةٍ، تمنعُ التعارض والازدواجية وتُوحّد المسار نحو غايات واضحة.

وفي عصر البيانات، يجب أن تُبنى السياسات على أرقامٍ دقيقة وتحليلاتٍ حديثة، ففي كل وزارة يجب أن تكون هناك لوحات متابعة فورية، وفرقٌ من الخبراء تقوم بتحليل تنبؤي للبيانات المتوفرة، كما أن نشر البيانات المفتوحة سيُحفّز القطاع الخاص والمجتمع المدني للإسهام في تقديم الحلول العملية.

لقد شهدنا في السنوات الماضية قرارات صدرت بسرعة، ثم أُعيد النظر فيها تحت ضغط ردود الفعل الشعبي، وقرارات أخرى دُرست بهدوء فمرت بسلاسة، والتجربتان تُعلّماننا أنّ التسرع يُهدر الوقت، وأن البطء يُفقد الزخم، وأنّ النجاح يكمن في الموازنة بين الحذر والجرأة.

وفي النهاية، ليست القضية في أن تكون الحكومة حكومة دكتوراة، بل في أن تكون حكومة ذات أثر، حكومة ترى الإنسان قبل النص، وتفهم الواقع قبل الأرقام، حكومةٌ تجمع بين العلم والخبرة، وبين الرؤية والعمل، وبين الرشاقة والتخطيط، لتُعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، وتفتح الطريق أمام مستقبلٍ تُدار فيه الكفاءة بالعقل، ويُقاس فيه الإنجاز بصدق الإرادة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights