الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

أمنياتي تحلّق في تلك السماء اللازوردية

طاهرة بنت راشد الشامسية

أمنياتي تحلّق في تلك السماء اللازوردية، تنشر أجنحتها بخفّة فراشةٍ تائهة بين الغيوم، تبحث عن وطنٍ صغيرٍ يسعها، عن حضنٍ لا يخذلها، عن نافذةٍ مفتوحةٍ على الأمل. كلّ أمنيةٍ لي كعصفورٍ صغيرٍ خرج من عشه للمرة الأولى؛ يرتجف جناحاه، ويغمره الحنين إلى عشٍ لم يعرفه بعد.

أرفع رأسي نحو الأفق، أمدّ يديّ وكأنني سأمسك قطعةً من زرقةٍ نقية، قطعةً تشبه أحلامي التي لا تنطفئ، رغم ما عانته من كسورٍ وانكسارات. أحلامي، يا رفيقة قلبي، كم مرةٍ سقطتِ معي على أرضٍ صلبةٍ، وكم مرةٍ جُرحتِ حتى نزفتِ، ثم قمتِ من جديدٍ لتواصلي الطيران؟

السماء اللازوردية تشبه مرآةً صافيةً تعكس كل ما في داخلي؛ صفائي حين أبتسم، وارتباكي حين أبكي، وضياعي حين أبحث عن نفسي في طرقاتٍ غريبة. أمنياتي تتشكل في تلك المساحات المترامية، كأنها غيومٌ بيضاء تسافر بلا خريطة، تعبر حدود الزمان والمكان، لا تحدّها قسوة الواقع ولا قيود الأرض.

أحيانًا أرى أمنيةً كبيرة تلمع كنجمة، أركض خلفها بعينيّ، أخاف أن تنطفئ قبل أن أصل إليها، وأحيانًا أخرى أجد أمنيةً صغيرة، متوارية في ركنٍ قصيّ، فأبتسم لها وكأنها طفلٌ يختبئ خلف أمه. كلّ أمنيةٍ لها طعمها الخاص، لها لحنها السري، لها لحظةُ ميلادٍ في داخلي، وها أنا أتركها جميعًا تتطاير في سماءٍ لا تنتهي.

قد يظنّ البعض أن الأمنيات أوهامٌ، وأنها لا تسقي عطش القلوب، لكنّي أعلم أن قلبي بدونها كان سيصبح صحراءَ قاحلة، وأن أيامي بلاها كانت ستفقد لونها وصوتها. أعيش بها، أتغذّى من نورها، وأزرعها في لياليّ كما يزرع الفلاح قناديله الصغيرة في تربةٍ عطشى.

أمنياتي تحلق الآن فوقي، تكتب على صفحة السماء قصائد لم تُكتب من قبل، تهمس لي أن أظلّ مؤمنة، أن أظلّ سائرةً رغم العثرات، أن الحياة، مهما قست، ستظل تمنحني نافذةً أطلّ منها على المعجزة.

وفي النهاية، أغمض عينيّ وأبتسم:

إن سقطت أمنيةٌ من السماء، فسألتقطها برفقٍ، وأضعها في قلبي كما يوضع الياسمين في كتابٍ قديم، وإن رحلت أمنية أخرى بعيدًا، فسأترك لها جناحيها، لأن ما يرحل إلى السماء يعود يومًا بوجهٍ أجمل، وروحٍ أصفى.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights