الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

قرية الرَّوضَة بين جَمَال الحاضر وعراقة التاريخ… الجزء الأخير

ثاني بن مبارك الحبسي

وبين ربوع قرية الروضة نكمل رحلتنا، فبعد أن عشنا حياة الريف بجماله الخلاب، نواصل وجهتنا إلى عبق التاريخ والحضارة.
فإذا ما اتجهنا نحو القرية شمالاً عبر “الوادي الشرقي”، سنرى شموخ قلعة الروضة وكأنها منارة تحكي عن تاريخٍ عريق ضارب بجذوره في القِدَم، وحضارة عاصرت أحداثاً مثيرة، وشهدت صراعات عبر الزمن.

ونظراً لشح المعلومات عن هذه القلعة؛ إلا أن “التأريخ الشفوي” من كبار السن والمعمِّرين من سكان القرية هو المصدر الرئيسي والأقرب الذي نستقي منه معلوماتنا بهذا الخصوص.
فقد أجمعوا أن بناء القلعة تم في عهد الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي، وبُنيت تحت إشراف سليِّم بن عمران بن عزيز الجابري، أحد سكان القرية.

وقد تعرضت القلعة لبعض الظروف والعوامل التي أدت إلى تهدم بعض أجزائها؛ لذا فقد بادرت الحكومة الرشيدة ممثلة في “وزارة التراث القومي والثقافة سابقاً / وزارة التراث والسياحة حالياً” إلى ترميمها عام 1988م، بهدف الحفاظ على جمالية الموروث وتخليداً للتاريخ العريق.

كما توجد في القرية بعض الأبراج التي بُنيت على قمم الجبال، فبعضها قد تهدم أجزاؤه، بينما لا تزال الأخرى شامخة حتى الآن، رغم كل الظروف المناخية وعوامل التعرية. ويُعتبر الحَجَر والجص هما المادتان الأساسيتان في بناء تلك البروج.

ومن بين تلك البروج التي ما تزال باقية حتى الآن برج “وريد”، ويقع في جهة الشمال الشرقي من قرية الروضة على الطريق الواصل بين مسقط وصور. وقد بناه السكان قديماً على سفح جبل بجانب الطريق؛ حيث كان يُستخدم لمراقبة تلك الطريق، كونها معبراً للقوافل والجيوش والرُّحَل، إضافة إلى البروج الأخرى المبنية على قمم الجبال داخل القرية.

وتكمن أهمية تلك البروج بشكل عام في أنها كانت تُستخدم نقاط مراقبة وتأمين القرية أمنياً من المعتدين والغزاة.

كذلك من شواهد الحضارة القديمة في قرية الروضة البيوت القديمة في “العلو”، حيث لا تزال بقاياها شاهدة رغم تهدم أجزاء منها.
وهي عبارة عن سور من الطين يحيط بمنطقة تبلغ مساحتها حوالي ألفي متر مربع، تضم بداخلها مجموعة من الغرف الصغيرة، يحدها برج من جهة الشمال الغربي، يزيد ارتفاعه عن سبعة أمتار، مبني من الحجارة والجص والطين، وبه عدة فتحات في أعلاه؛ مما يدل على أنه كان يُستخدم للمراقبة. ولا يزال البرج قائماً حتى الآن. ويتميز هذا البرج بأنه بُني على سطح الأرض بخلاف البروج الأخرى التي شُيّدت على قمم الجبال.
وقد قمت بعملية بحث بسيطة في ذلك الموقع قبل فترة، فعثرتُ على بقايا قطع فخارية متكسرة، إضافة إلى قطعتين معدنيتين من النقود، كُتب على أحد وجهيها “مسقط، 1315 هجري”، وعلى الوجه الآخر “فيصل بن تركي سلطان عمان”.

أما عن الأفلاج في قرية الروضة، فهي تُعتبر شريان الحياة. وقد قام السكان بجهد كبير في شق تلك الأفلاج تحت سطح الأرض لمسافات طويلة، ولا تزال إلى الآن تشق طريقها عبر السواقي لتروي مزارع القرية وتبعث الحياة في ربوعها، وهي تروي قصصاً من النضال والكفاح الذي بذله الأسلاف في هذا المضمار من أجل الاستقرار والبقاء.
ومن أهم تلك الأفلاج فلج “الدّريز”، وهو أكبر أفلاج القرية وأشهرها، ويُعتبر من الأفلاج الداؤودية؛ إذ إنه لا ينضب ويقاوم الجفاف في حال انقطاع الأمطار لفترات طويلة. وبالإضافة إلى استخدامه في الري، فهو أيضاً يُستخدم للشرب لمائه العذب النقي. ويسقي هذا الفلج مزارع الجزء الجنوبي من القرية والذي يُطلق عليه “سقو الدريز”، ويبعد منبعه عن القرية مسافة قد تزيد عن أربعة كيلومترات شمالاً، ويُعتبر من أطول أفلاج القرية.

وقد أخبرني والدي – رحمه الله – أنه كان ممن شاركوا في صيانة هذا الفلج قبل أكثر من ثلاثين عاماً.
ومن الأفلاج الأخرى أيضاً فلج “الخَطَم”، وفلج “أبو ناقة”، وفلج “الفليتي”، وتُعتبر من الأفلاج العينية. وجميع هذه الأفلاج الأربعة مستمرة الجريان حتى الآن بفضل الله.
وهناك فلج آخر هو فلج “العَلو”، لكنه تهدم منذ فترة طويلة وانقطع عن الجريان، ويعود سبب عدم صيانته إلى اكتفاء السكان وأصحاب المزارع بالآبار كبديل.

وللحضارة في قرية الروضة قصة تطول، وحديث لا يُمل، وتراثها يحكي تاريخاً طويلاً مليئاً بالأحداث، سطّره الأسلاف عبر العصور، وكل بقعة فيها جمال يستحق أن يُوصف بأجمل المعاني والكلمات. وستبقى قرية الروضة حاضراً جميلاً وتاريخاً عريقاً.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights