الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

من تُجالس تُجانس

   عائشة الفارسية

“من جالس جانس” مثلٌ عربي قديم يحمل في طيّاته معنى عميقًا، وهو أن من نجالسهم نتماشى معهم في الصفات والأخلاق والسلوك. فطول الصحبة يولّد التشابه والعشرة تزرع التأثير، خيرًا كان أم شرًا.

ومقولة ابي حيان الشهيرة :

“انتقِ جلاسك فإن الأفكار مُعدية” .

معناه أن الأفكار والسلوكيات تنتقل ويتأثر بها في المجالس

فمن يجالس العقلاء يزداد عقله ومن يجالس العلماء يزيد علمه ومن يجالس الشرفاء يزداد شرفًا أما من يجالس السفهاء فإنه يخسر نفسه وسمعته ويعرضها للمهانة والضياع، لذلك ينبغي على الإنسان أن يُحسن اختيار من يجالسهم لأنهم يصبحون مرآة له ويؤثرون في مسلكه وتفكيره.

لو جلست مع حزين تشعر بالحزن ولو جلست مع المسرور تسري إليك السعادة، فالنفس البشرية تتأثر بمن حولها وتتشكل على هيئة من تصاحبهم وتخالطهم، ولهذا يحثنا هذا المثل على مجالسة الصالحين فهم مرآتنا التي نرى أنفسنا من خلالها ويعكسون شخصياتنا في أجمل صورها.

الجليس الصالح هو من ينصحك إذا أخطأت ويؤنّبك بلطف إذا رأى منك عيبًا ويشجعك إذا أبليت بلاءً حسنًا، هو من يقف بجانبك في أوقات الشدة ويساعدك في تخطي الأزمات ويكون عونًا وسندًا لك في مواجهة صعوبات الحياة، إنه كالمصباح المنير الذي يضيء لك الطريق وكالمنبّه الذي يوقظك إذا غفلت عن الصواب.

الجليس الصالح يعينك على القرب من الله ويذكّرك إذا نسيت ويدلك على الخير ويشدّ على يدك إن ضعفت قال تعالى:

“الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ” [الزخرف: 67]، فالصداقة المبنية على التقوى تبقى وتنفع في الدنيا والآخرة.

كما حثّ رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم على اختيار الجليس الصالح فقال:

“إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، أو تجد منه ريحًا خبيثة”.

وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: “الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”.

وقال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ما أُعطي العبد بعد الإسلام نعمة خيرًا من أخ صالح، فإذا وجد أحدكم وُدًّا من أخيه، فليتمسك به”.

وأعظم مثال على الصحبة الصالحة هو ما كان بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه فلن نجد بعدهما صحبة أصفى وأنقى.

اللهم ارزقنا مجالسة الصالحين التي تعيننا وترشدنا وتذكرنا وتفرحنا وتكون قوتنا بعدك في مواجهة الحياة، يا رب لا تحرمنا من الإخوة الصادقين.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights