مقالات صحفية

الهوية ..

د. طالب بن خليفة الهطالي

قيل: إن الهوية أصل لا يُمْحَى وعهد لا ينسى؛ هي جذور في الفطرة وثمرات في الحضارة؛ هي ميزان الروح إذا اضطربت، ودرع الأمة إذا اعتدي عليها؛ من حفظها عاش عزيزا ومن أضاعها عاش أسيرا ومن تمسك بها ارتفع ومن انسلخ عنها سقط وتصدع، لقد شبهوها بأنها ليست ثوبا يستعار فيخلع، ولا اسما يكتب فَيُمْحَى، بل هي سر مقيم في أعماق كيان الإنسان؛ هي الجذر الراسخ في الفطرة، والثمرة الظاهرة في الحضارة هي الميثاق الأول قال الله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} (الأعراف: 172)

هنا ابتدأ العهد ومن هنا انطلقت مسيرة الوجود، جذور في الغيب وفروع في الحياة وثمرات في التاريخ قال النبي ﷺ:”كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه” ليبين لنا أن الهوية خلقة أولى يكسوها الزمن بثياب الوطن ويلونها المجتمع بألوان الثقافة ويغنيها الإنسان بتجاربه واختياراته، وقد قالت العرب”المرء بأصغريه قلبه ولسانه”، فجعلوا الهوية في الباطن وجدانا وفي الظاهر لسانا ناطقا.

فأثبت أن جوهر الإنسان ليس في مظهره، بل في علو نفسه وسمو مقاصده؛ فالهوية ميزان في الداخل يزن المعنى وعلامة في الخارج تحفظ الجماعة ومن ضيعها عاش بلا اتجاه، ومن تخلى عنها صار كالغريب بين أهله، بل كالمنسلخ من جلده، كما وصف القرآن حال من أعرض عن آيات الله:{فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الأعراف: 175).ولذلك فالهوية ليست ترفا فكريا ولا جدلا لغويا، بل قضية بقاء بها تصان الروح وبها يعانق الإنسان وطنه، وبها تتماسك الجماعة، وبها تحفظ الثقافة ذاكرتها ورموزها.
الهوية تبدأ من الداخل من صلة الإنسان بروحه قبل أي مظهر خارجي، والهوية الروحية هي النفس بما فيها من سر الاختيار، وهي معيار الثبات وإن تبدلت الأعراض، إذ يبقى الجوهر وإن تغير اللسان أو وهن الجسد، قال ﷺ: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”، والقلب هو مركز الهوية به يعرف صفاء الروح أو كدرها؛ وقد ميز المتكلمون بين الماهية التي يقوم بها الشيء، والأعراض التي تزول، فجعلوا الهوية الروحية ماهية، بينما الوطنية أو الثقافية أعراض لا قيمة لها إن فقد الجوهر.

لنفسك من دنياك إلا نصيبها ::: فإنك بالروح لا بالجسد إنسان

إن الهوية الوجدانية ليست عاطفة فردية عابرة، بل رابطة ممتدة تجعل المجتمع كالجسد الواحد لقوله ﷺ: “مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” وأدرك ذلك ابن خلدون حين قال إن الإنسان مدني بالطبع، “وأرسطو” حين وصفه بأنه حيوان اجتماعي؛ فالاجتماع ضرورة فطرية لا يستغني عنها الفرد، ورأى الفارابي أن المدينة الفاضلة كالجسد أعضاؤه مختلفة الوظائف لكنها متعاونة على غاية واحدة هي السعادة، وهو ما يوافقه الحديث الشريف.

أما الغزالي فنبه إلى أن حب الوطن غريزة راسخة، فهو مأوى النفس ومحل نشأتها، ومن هنا صار الوطن وعاء للذاكرة الجماعية وتحول الحنين إليه إلى جزء من الهوية وقد صاغ شوقي هذا المعنى بقوله:

وطني لو شُغِلتُ بالخلد عنه ::: نازعتني إليه في الخلد نفسي

لقد لخص مالك بن نبي هذا المعنى بقوله ان الفرد بلا مجتمع لا وجود له، والمجتمع بلا فكرة موجهة لا حياة له، وهكذا تبدو الهوية الوجدانية والاجتماعية كالدم الذي يضخه القلب في العروق ويمد الجسد بالحياة ويصل بين أعضائه، فإذا انقطع جفت الأوصال وتفرق البنيان وهنا تتهيأ الهوية لتتجسد في بعد آخر وهي الأرض التي تحتضنها، والثقافة التي تمنحها لسانها ورمزها، فالأرض ليست ترابا جامدا بل ذاكرة جمعية، واللغة ليست أصواتا مبعثرة، بل وعاء فكر ورمز. وبغياب الوطن والثقافة تبقى الهوية معلقة كجذر بلا تربة أو طائر بلا عش، قال الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات: 13).

إن الهوية القبلية والشعبية والوطنية ليست نقيضا للهوية الروحية، بل وعاء لها وميدان يتجسد فيه المعنى، ولهذا كانت مكة قبلة للأمة، والقدس موضعا للرباط، والمدينة مهدا للدولة، والأرض هنا ليست مجرد جغرافيا، وقد قال الغزالي أن حب الوطن غريزة جبل الله الخلق عليها، ليؤكد أن الانتماء إلى الأرض ليس طارئا بل فطرة، ولذلك كان الدفاع عنها دفاعا عن النفس، وهذا ما يجعل الرباط في الثغور عبادة، ويجعل الجهاد لحماية الأرض حماية للهوية.

والثقافة هي لسان الأمة وصورتها بها تحفظ الذاكرة وتربط الأجيال ويصاغ الفكر، قال ابن خلدون ان اللغة أحد وجوه الاجتماع الإنساني وبها يتميز الناس بعضهم من بعض، ومن هنا كان ذوبانها ذوبانا للهوية نفسها، وجعل أرسطو الخطاب واللغة من خصائص الإنسان التي تمكنه من الاجتماع، وأكد الفارابي أن المدينة لا تكون فاضلة إلا إذا اشتركت في رؤية ومعنى، واللغة والثقافة هما أداتا هذا الاشتراك وفي الفكر الحديث، رأى تشارلز تايلور أن الهوية لا تقوم إلا داخل فضاء لغوي وثقافي يعترف به الآخرون، وذهب بنديكت أندرسون إلى أن الأمة في حقيقتها جماعة متخيلة تبنى عبر اللغة والرموز المشتركة، ونبّه إريك فروم إلى أن الإنسان لا يحتمل العزلة، فإذا سلب وطنه أو لغته عاش قلقا يبحث عن أي انتماء بديل، وهو ما يفسر ارتباط الهوية بالأرض والثقافة معا، ولم يكن “مالك بن نبي” بعيدا عن هذا المعنى إذ اعتبر أن الأمة بلا فكرة ولا ثقافة موجهة تتحول إلى كيان ميت، وأن الثقافة هي التي تمنح المجتمع وجهه الحضاري.

لقد رسخت الهوية الروح وتجسدت في الوجدان والتحمت بالأرض والثقافة، تبقى مهددة برياحٍ عاتية كاستعمار يسلب الأرض، وعولمة تذيب اللغة واستهلاك يمحو الذاكرة وتقليد أعمى يطمس الأصالة، ولهذا كان الدفاع عنها ضرورة وجودية لا تقل عن الدفاع عن النفس قال الله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} (النساء: 75).

وقيل: إن القتال ليس بالسيف وحده، بل بالعلم حين تهدد اللغة، وبالثقافة حين تشوه الرموز، وبالوحدة حين يراد للأمة أن تتفتت، وقد قال ابن تيمية: الدين والسلطان إخوان، فالدين أصل والسلطان حارس وهو معنى ينسحب على الهوية أصلها في الروح وحارسها في الواقع، قال مالك بن نبي الأمة التي لا تحسن الدفاع عن ذاتها أمة محكوم عليها بالزوال؛ فلا بقاء لهوية بلا غيرة، ولا حياة لشجرة تترك لرياح العواصف فالهوية ليست زينة على ظاهر الناس، بل درعا يحمون به كيانهم؛ فإذا سقط الدرع انكشف الجسد وإذا أُهملت الهوية تفرق الجمع وتلاشى البناء.

إن الهوية إذن ليست سؤالا ثانويا، بل جواب الوجود كله من تمسك بها عاش كريما، ومن تخلى عنها عاش أسيرا، ومن دافع عنها استبقى الحياة، ومن فرط فيها حكم على نفسه بالزوال.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights