السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

نقطة أول السطر .. قائدنا اللطيف

   عادل بن حميد الجامعي

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.. ليس لأحدٍ منّا أن يتجاوز هذه الوصيّة الربانية، لا قائدًا ولا تابعًا، ولا عابرًا في الدرب. هذه الآية وحدها، حين تُكتَب على باب القلب، تغيّر شكل العلاقة بين الناس، وتنحت على جدران المكاتب معنى جديدًا للقيادة، وللعمل، وللصبر الجميل في سُبل الرزق والكدّ.

في عالَمٍ يتسارع فيه كل شيء، وتختلط فيه المهام بالأنين، والمسؤوليات بالضغوط، لا يعود الناس بحاجة إلى أوامر كثيرة، بقدر حاجتهم إلى القلوب التي تحسّ بهم قبل أن تنهرهم، وإلى القادة الذين يُدركون أن الكلمة الطيبة تفتح القلوب المغلقة، وتُصلح ما تعذّر إصلاحه بالقرارات والعقوبات. في هذا العالَم نفسه، يولد مفهوم *القائد اللطيف*، لا بوصفه ضعفًا في الحزم، بل باعتباره صورة نادرة من الذكاء العاطفي والرشد الأخلاقي، الذي لا يُحسن كثيرون بلوغه.

القائد اللطيف، في بيئةٍ يئنُّ فيها الموظفون تحت وطأة الأعباء، ويبحثون عن كلمة صادقة، لا عن عبارة مكررة من أدبيات التحفيز، هو ذاك الإنسان الذي اختار أن يُبقي على روحه نديّة وسط صحراءٍ من الضغوط. لم يختر لنفسه أن يتسلّق سلّم الوظيفة على أكتاف غيره، ولم يرضَ أن ينظر إلى فريقه من علٍ، بل نزل إليهم، وغاص في تفاصيلهم، وحمل معهم همّ المؤسسة لا فوقهم.

ذلك المدير الذي يُقابل تأخّرك بابتسامة، ويسألك: “هل كل شيء على ما يُرام؟”، لا يُمارس المجاملة، بل يُمارس عمق الإدراك. يعلم أن الإنسان، في لحظة انكسار، لا يحتاج إلى تقرير مكتوب، بل إلى سند بشري.. والذي يربّت على كتف زميله إذا أخطأ، لا يُدلّله، بل يُنشئ بينهما جسرًا من الثقة. هذا القائد، لا يفقد حزمَه ولا هيبتَه حين يلين، بل يُضاعف أثره في القلوب، ويُصبح صدى صوته مقرونًا بالسكينة لا بالرعب.

تأثيرك في الآخرين، لا يقاس بعدد التوقيعات التي جمعتها، ولا بعدد الأوامر التي نفذوها خوفًا منك. بل بتلك البذور التي غرستها في قلوبهم دون أن يشعروا، فأنبتت رضا، وأزهرت إخلاصًا، وامتدت أغصانها حتى بعد مغادرتك المكتب. القائد الذي يترك في الناس ذكرى جميلة، أفضل من الذي يترك ورقة منجزة على الطاولة. لأن الورقة تُنسى، لكن الإحساس لا يُنسى.

لقد خُلقنا مختلفين، لا تشابه بيننا في النفس ولا في التحمّل. ولئن كانت الحروفُ تُنسّق على سطرٍ واحد، فإنّ الأرواح لا تُرصّ في قالب واحد. لهذا، فإن مراعاة الفروقات بين الناس ليست ترفًا في القيادة، بل ضرورة في أي بيئة عمل. من يُجيد الحديث مع الضعيف دون أن يشعره بضعفه، ومع القوي دون أن يُخيفه، هو القائد الذي يستحق أن يُسمّى قائدًا.

كم من موظفٍ أخطأ مرة، فاعتُبر الخطأ وصمة، وظلّ يتحمّل نظرات اللوم شهورًا، لا لشيء سوى أن من يقوده لم يُدرّب نفسه على اللطف. وكم من موظفةٍ عادت تبكي بعد تقييم قاسٍ في حين أنها كانت تُعطي من وقتها أكثر مما يُطلب منها، لكن كلمات التوبيخ لا تُفرّق بين مقصّرةٍ ومُجتهدة. إن القائد اللطيف لا يفرّط في الأداء، لكنه يُفرّق بين الغفلة والتعب، وبين الاستهتار والحِمل.

لا تسلني كيف يستطيع القائد اللطيف أن يصنع الفارق، بل انظر إلى فريقه. ستجد أن قلوبهم متعلقة به قبل أعمالهم، وأنهم حين يخطئون، يخجلون من خذلانه لا من العقوبة، وحين ينجحون، يُهدون نجاحهم إلى اسمه قبل أن يرفعوا شهادات التقدير.

في بيئةٍ وظيفية متخمة بالأرقام والجداول الزمنية والاجتماعات المتتالية، يصبح اللطف استثناءً. ولكن، ما أندر هذا الاستثناء حين يتحوّل إلى قاعدةٍ داخلية، يتعامل بها المدير مع نفسه قبل غيره. هذا المدير الذي يشكر من يساعده، ويعتذر إن أخطأ، ولا يُكلّف من تحته بما لا يطيق، يستحق أن يُدعى فينا جميعًا: *قائدنا اللطيف*.

نحمد الله إذ سخّر لنا مديرًا من هذا الطراز، يسعُنا بلين خُلُقه، ويُعاملنا بالحُسنى حتى ونحن في قمة الإجهاد، وحين نخطئ لا يجعل من لحظتنا السوداء عنوانًا لحياتنا. نحمده لأنه لم يجعل من الضغط ذريعة للفظاظة، ولا من الموقع حُجّة للقسوة، بل كان نعم السند، ونعم الأخ، ونعم القدوة.

ولأنّنا نرى اليوم كثيرًا من القسوة تُسوّق باسم الحزم، وكثيرًا من التكبّر يُقال إنه قوة شخصية، كان لا بدّ أن نُذكّر أن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو سيّد القادة، لم يكن فظًّا، بل كان كما وصفه ربّه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾. فانظر إلى أثر اللين في بناء القلوب، قبل بناء الدول.

القائد اللطيف، لا يحتاج أن يرفع صوته، يكفي أن تُرفع إليه القلوب. ولا يحتاج إلى سلاحٍ في يده، لأن سلاحه الحقيقي هو حنانه، وفهمه، وقدرته على النفاذ إلى جوهر الإنسان الذي أمامه، لا إلى وظيفته فحسب.

في كل مرة يمرُّ علينا يوم شاق، ونخرج منه بوجه مبتسم لا مجروح، فإننا نُدرك أن في المؤسسة قائدًا يستحق الحمد. وفي كل لحظةٍ نُرهق فيها، ثم نُعامَل بودّ، ندرك أن العدل لا يعني الجفاف، وأن اللين لا يتعارض مع الجدية.

ما أعظمها من مدرسة، حين يكون الإنسان قائدًا، ويختار أن يكون قائدًا لطيفًا. يحفظ هيبته، ويزرع الطمأنينة، ويُذكِّر موظفيه أنهم بشر لا آلات. فيكبرون به، وينهضون لأجله، ويذكرونه بعد سنين من رحيله، لا لما فعله، بل لما كان عليه من لطفٍ في القول، وصدق في الإحساس.

ذلك هو القائد الذي لا يُنسى، لأنّه ببساطة: لم ينسَ أن في قلب كل موظف، طفلًا صغيرًا، يحتاج إلى الاحتواء أكثر مما يحتاج إلى الأوامر.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights