الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

نقطة أول السطر .. وخسف القمر 

   عادل بن حميد الجامعي

حين يخسف القمر، لا يخسف وحده. تخفت معه أضواء كثيرة في النفس، وتتراجع فيه أناشيد الغفلة إلى الوراء، وينقشع عن القلب غبارٌ خفيف كان يحجبه عن رؤية الله في عظمته. الخسوف آيةٌ من آيات الله، لا يُرى بعين العالمين كما يُرى بعين الذاكرين. فإن الذي ينظر إليه بمنظار الفلك، يعرف أن الأرض قد حالت بين الشمس والقمر، وإن الذي ينظر إليه بمنظار القلب، يعلم أن الله قد أراد أن يقول لنا شيئًا عميقًا، فنكس القمرَ فجأة، كي نلتفت من زينة السماء إلى ما بين أيدينا من غفلةٍ مطبقة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة”. وفي الفزع إلى الصلاة سرّ، وفي هذا النداء العاجل: “الصلاة جامعة” حكمة تربط السماء بالأرض، وتعيد ميزان القلب حين يميل. ما الصلاة الجامعة في لحظة خسوف القمر إلا جرس إنذار رحيم، ينبه المؤمن من سباته الطويل، ويدعوه أن يقف لا بين المصلين فقط، بل بين يدي الله تائبًا.

وحين يؤذن المؤذن: “الصلاة جامعة”، تهتز الأرواح في جنبات المساجد، وتتحرك الأرجل المتثاقلة، ويصطف العابدون في صفٍ غير الصفوف المعتادة. لا يُقام الأذان المعتاد، ولا تُرفع الإقامة كما في سائر الصلوات، بل هو نداء الخوف من الله، نداء الاستغفار والرجوع، نداء من يرى في الخسوف مشهدًا رمزيًا لما يخسف في أرواحنا كل يوم. كم من ضوءٍ كان يملأ قلوبنا، ثم خَسَفَته ذنوبنا؟ كم من آياتٍ حولنا، لا نراها إلا حين يفاجئنا الغياب؟

لقد اعتاد الناس أن يقيموا الصلوات الجامعة في الخسوف، فإذا بهم يصلّون صلاة الكسوف والخسوف ثم ينصرفون كما هم، لم تُحدث الآية فيهم رجفة، ولم تُوقظ فيهم ضميرًا غافلًا. ولعمري إن هذا لجزء من البلاء الأعظم. إنما كانت الصلاة جامعة، لتجمع شتات القلب، ولتجمع ما تفرّق من رجائنا بالله، ولتفتح فينا بابًا للتفكر في حال الأمة، وفي حالنا نحن، الذين لم نعد نلبّي نداءً أعظم.

ألم يكن الأجدر أن يؤذن المؤذن يوم يُغزى الإخوة في غزة وسوريا وفلسطين وأراكان وبورما وأفريقيا الوسطى وغيرهم: “الصلاة جامعة”؟ بل “ساعة الجهاد جامعة”؟ أم قد خرس صوت المؤذن فينا إلا في لحظات الكسوف والخسوف؟ أليس هذا الخسوف نفسه تذكيرًا رمزيًا بخسوف النخوة، وخسوف الغيرة على الأمة، وخسوف الحياء من الله؟ أيُعقل أن نجيب نداء الله في خسوف القمر، ولا نجيبه في خسوف كرامتنا؟

لقد غاب عن أعيننا معنى الجهاد في سبيل الله، لأننا اختزلناه في صورة دماء وسيوف، ونسينا أن أول الجهاد هو جهاد النفس، وأن الجهاد الأعظم هو في الثبات على طريق الحق، وفي مقاومة الظلم، وفي حمل رسالة الإسلام بصدقٍ ووضوح. وقديما قال العلماء: الجهاد ذروة سنام الإسلام، والذروة لا تُنال إلا بتسلق طويل. فكيف يتسلقها من لا يزال يسقط في أبسط اختبار للرجولة، وللنخوة، وللاستقامة؟

حين يُخسف القمر، فلنقل: هذا موعد العتاب. موعد أن ننظر إلى أرواحنا: هل لا تزال قادرة على النجاة؟ هل لا تزال تسجد بخشوعٍ حين يغيب النور؟ أم أنها ألفت الظلام حتى صارت لا تعرف الفرق بين الليل والنهار؟ لن يكون الخسوف فقط تغيرًا فيزيائيًا لقرصٍ مضيء، بل هو فرصة أن نغوص إلى أعماقنا، أن نبحث في دواخلنا عمّا انخسف من مبادئ، ومن مشاعر، ومن وجعٍ كان يجب أن يكون حيًّا.

لا نلوم الشمس ولا القمر، ولا نلوم الليل حين يطول، بل نلوم قلوبنا التي انشغلت عن الله فلم تبكِ حين استوجب البكاء، ولم تخرّ ساجدة حين وجب السجود. وإذا كانت الصلاة جامعة، فليكن البكاء جامعًا، والتضرع جامعًا، والرجوع جامعًا. فإن أعظم ما في الخسوف أنه يكشف زيف الحياة التي نحياها حين ننسى.

ليتنا حين نشهد خسوف القمر، لا نكتفي برفع الكاميرات وتوثيق المشهد، بل نوثق داخلنا ما الذي تغير. ما الذي كنا سنقوله لو كانت هذه هي الآية الأخيرة قبل قيام الساعة؟ ما الذي كنا سنندم عليه؟ ومن الذي كنا سنبحث عنه لنعتذر؟ أليست الآيات أُرسلت لنرجع، لا لنتفرج؟

في الخسوف دعوة من الله، أن عودوا إليّ، أن لا تأمنوا مَكري، أن لا تغترّوا بضوءٍ يملأ السماء فحسب، بل راقبوا الضوء الذي في أرواحكم، هل خَسَف؟ هل بقي فيه شيء؟ وهل إذا خَسَف، ستركضون إليّ؟

وما أحوجنا أن نُجيب هذا النداء بقلوب تائبة، تستغفر الله على ما فرّطت، وتعود إليه خاشعة، وتقول بصدق: ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. أن نكون ممن إذا أظلم القمر، أضاء قلبه، وإذا فزعت الأرض، سكنت روحه بذكر الله.

هذا هو الخسوف كما نراه.. آيةٌ لا تخاطب السماء، بل تخاطب القلب.. وكلما أذّن المؤذن فيها: “الصلاة جامعة”، فلنسمع معها نداءً آخر يقول: “استيقظوا، فإن الغفلة خسوف آخر”.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights