أين تكمن المشكلة ؟
بلقيس بنت سالم العبرية
الأم التي كانت هناك… ولم تكن
لم تكن المشكلة يومًا في غياب الأم عن البيت، بل في غيابها عن القلب.
الطفل لا يرى الساعات ولا يُحصي عدد الوجبات ولا يفهم معنى الانشغال. ما يبحث عنه ببساطة هو عين تنظر إليه حين يتألم، يد تمتد قبل أن يسقط، وصوت يقول له: “أنا هنا… لأجلك.”
كانت الأمهات دائمًا حاضرات بأجسادهن، في المطبخ، في غرفة الغسيل، في ممرات الحياة اليومية، لكن الغياب الحقيقي كان حين تمر دمعة الطفل دون أن تلاحظها، أو حين يسكن الخوف صدره فلا يجد من يسأله: “ماذا حدث؟”
الطفل الذي لا يُحتضن حين يبكي، يظن أن الدموع عيب.
والطفل الذي لا تُسأل مشاعره، يظن أنها غير مهمة.
ومع الوقت، يتعلم أن يخفي كل ما في داخله، ويبدأ في بناء جدار بينه وبين العالم، بينه وبين نفسه، وحتى بينه وبين من يحب.
ذلك الغياب العاطفي، الذي لا يُرى بالعين، يترك في الروح فراغًا لا يسده الزمن.
تكبر أجسادنا، وتمر السنوات، لكننا نبقى نحمل داخلنا طفلًا صغيرًا، ما زال ينتظر حضنًا تأخر، وكلمة طمأنينة لم تُقال.
حين لا تكون الأم قلبًا، بل وظيفة، يُولد في قلب الطفل سؤال: “هل أنا مهم؟”
وإن لم يجد الجواب في عيني أمه، بحث عنه في كل الوجوه.
يكبر ليصبح مراهقًا يشتعل خوفًا من الفقد، أو شابًا يخاف من الحب، أو فتاة تبحث في كل علاقة عن دفء لم تعرفه.
إنه لا يريد حبيبًا فقط… بل يبحث عن “أمّ” يرى في ملامحها الأمان الأول.
الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من الأوجاع التي نشهدها في الكبار، تبدأ من مكان صغير جدًا… لحظة لم تُحتضن، بكاء لم يُفهم، خوف قوبل بالتهديد أو الصمت.
الطفل لا يحتاج إلى أم تعرف كيف ترد على كل شيء، بل إلى أم تشعر، تنصت، تسأل، تحتضن، تُخطئ ثم تعتذر، تغيب ثم تعود، تصرخ ثم تبكي، لكنه في النهاية يراها هناك… بروحها، بقلبها، بحبها اللا مشروط.
الأم الحقيقية ليست فقط من تُرضع وتُطعِم وتكسو.
الأم الحقيقية هي من تُربّي الأمان داخل طفلها، فينمو وهو يقول في داخله: “أنا محبوب، حتى حين أخطئ. أنا مرئي، حتى حين أختفي. أنا بخير، لأن أمي ترى قلبي، لا فقط وجهي.”
ويا ليت كل أم تُدرك أن أجمل ما تمنحه لطفلها، ليس ما تشتريه، بل ما تكونه من أجله.



