العودة للمدارس (نصائح نفسية)
د. سعود ساطي السويهري
إستشاري العلاج النفسي
أيامٌ قليلة تفصِلنا عن موعد العودة للمدارس، وأجواء التدريس والتعليم والتعلم والمذاكرة، وتنظيم الأوقات والذات، ويا لها من فرحة يعيشها كل تلميذ وطالب أول أيام العودة للمدارس، فيها اللقاء بالأصدقاء، وفيها الحنين لكل التفاصيل والذكريات، وكل موقف يربط بين الإنسان ومواقفه الخالدة حتى بعد مرور السنين.
أما الصغار الذين يذهبون للمدارس لأول مرة- فحدث ولا حرج- لحظات لا تنسى، ما بين أطفال جُبلوا على مشاعر الانتماء والأمن النفسي، والتزام الطمأنينة والمعية، وأولياء أمور يأخذهم الخوف والحرص على أطفالهم، وفي نفس الوقت الفرحة والسعادة بدخولهم أول مرحلة تعليمية، يستشعرون خلالها وجدانات متعددة، ما بين السعادة بدخولهم المدراس، وتخيلهم في صفوف الجامعة، بل وأمنياتهم أن يكونوا في مواقع وظيفية مرموقة، تحقق لهم الأمنيات، وتشعرهم بتأدية الرسالة الأبوية.
أما المدارس والمعلمون، فنجدهم على استعداد تام لاستقبال عام دراسي جديد، مستعدون – بكل كفاءة – لإعطاء كل ما لديهم من طاقات وإمكانيات علمية، وبذل الجهود بالنفس والقلب؛ من أجل بناء ورعاية النفوس قبل العقول، وتنشئة أجيال تتربى في بيئات علمية وتعليمية وتقويمية، تتعلم كيف هي الإنسانية، وكيف هي الضمائر قبل أن تُخط أولى حروف اللغات على الأوراق؛ فما التربية الحقة إلا بناء متكامل؛ يُغرس في القلب بذرة الخير، وفي العقل بذرة الفهم، وفي السلوك بذرة الحكمة، وفي النفوس بذور الإنسانية والرحمة والعدل، ولنعلم أن أي بادرة لطف نزرعها اليوم؛ إنما هي جسر يعبر عليه الغد إلى ضفاف النجاة، فما إن اشتد عود الإنسان كان شجرة مثمرة؛ يأكل من ثمارها الجائع، فإن كان معلما ربى وعلم ووجه وأثّر وكان قدوة، وإن كان طبيبا، يكون ناجحا يأوي إليه ذوي المعاناة والأمراض فيكون سببا في شفائهم، وإن كان قانونيا، يأوي إليه ذوي المظالم والشكوى؛ فيكون سببا في إنصافهم؛ تلك هي جودة الحياة التي تصنع متسعا للتنفس فيها، وتشعر بأن الحياة تستحق أن تعاش بكرامة وإنسانية.
والسؤال هنا، كيف يمكن تحسين الصحة النفسية داخل المدارس؟ وتحقيق الأهداف المنشودة من العملية التعليمية؟
في الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال تتطلب تطبيق العديد من النقاط،
ومن أهمها:
– حرص المدرسة على تضمين الصحة النفسية في كل تفاصيل العملية التعليمة، من مناهج وتعاملات وأنشطة ممتعة، ومهارات تواصل، وتركيز على كل ما هو إيجابي، وتوفير بيئة آمنة ومشجعة وداعمة، وليست مهددة.
– دعم التلاميذ وغرس روح وفكرة أن مقاومة التغيير، ومواصلة التعليم؛ تمثل فرصة للتعلم وليس فرصة للتحدي.
– التهيئة النفسية للطلاب والتلاميذ، والحديث بشغف عن المدرسة والعلم والتعليم؛ بما يجذب انتباههم ويشوقهم لها، ويجعلهم ينتظرون اللحظة التي يعودون فيها.
– إزالة حواجز الخوف والقلق، والتوتر من الفصل والمعلم، وبناء أواصر الحب مع المعلمين.
– زيادة الثقة بالنفس، والتوعية بكيفية التصرف السليم، حيال التعرض لمواقف تنمر مثلا أو غيرها.
– إبرام عقد متفق عليه لتنظيم الوقت والواجبات والمهام الدراسية دون ضغوط أو تراكمات.
– شراء مستلزمات الدراسة بمشاركة التلاميذ، وتحفيزهم لها بكل حب وتشويق.
– تخصيص وقت لإعطاء التلاميذ فرصة للتعبير عن مشاعرهم قبل البدء في الدراسة، ومشاركتهم في رسم خطط للمذاكرة والالتزام، يكون التلاميذ هم القادة فيها، بمساندة من أولياء الأمور.
– التحدث مع التلاميذ عن أن التعليم هو البوابة لبناء الشخصيات والمكانة، وهو الوسيلة التي تجعلهم متفوقون شخصيا واجتماعيا وأسريا ومجتمعيا؛ بما يدعم مهارات التخيل والتفكير، وبناء العقول، والفكر الاستباقي، ووضع الخطط والأهداف، والعمل على تنفيذها.
وأخيرا فإن المدرسة أهم الأماكن والبيئات – بعد الأسرة – التي يتعلم فيها النشء، وتنمو لديهم كل الجوانب العقلية الفكرية والحاسية والحركية، والنفسية والاجتماعية والخُلُقية، ونجاح الأسرة في ربط أذهان الأبناء بالمدرسة؛ إنما هي معيار فاصل في شخصيات أبنائهم، وتعزيزا لدافعيتهم للتعلم، وزيادة التحصيل والمعرفة الأكاديمية، وتحقيق الأهداف المنشودة.
وبالله التوفيق



