الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

الاحتراق الوظيفي

يعقوب بن راشد بن سالم السعدي

الاحتراق الوظيفي هذا العبء الغير مرئي في بدايات تكوينه بالحالة النفسية والجسدية، يسكن في صمت عميق بين حنايا القلب والنفس لا يمكن أن تشعر به وهو يتنامى داخلك شيئاً فشيء حتى يبلغ ذروته ويبدأ في اغتيالك لتصبح وتمسي بعد ذلك تحت رحمته، لقد عُرف الاحتراق الوظيفي على إنه حالة من الإجهاد العاطفي والجسدي ناتج عن الضغوطات المستمرة والمتراكمة يوماً عن آخر في مضمار العمل اليومي، يؤدي إلى شعور الموظف بالإرهاق والتعب وفقدان القدرة والحافز على مواصلة عمله المعتاد، كما يفقد معه كل الحوافز والمسببات التي تأهله إلى أداءه.

وأكثر الفئة التي تكون عرضة غالباً لهذا الاحتراق، هم الأشخاص الذين أفنوا حياتهم العملية بكل جهد وإخلاص وتفاني دون النظر إلى أنفسهم أو النظر إلى المقابل، كانت وما زالت الأمانة في العمل هي أساس كل شيء حتى لو كان ذلك على حساب وقتهم وجهدهم البدني والذهني، إنهم نذروا أنفسهم للعمل وحده دون الالتفات إلى جوانب أخرى قد ينظر إليها غيرهم من المتقاعسين أو المتسلقين على أكتاف الغير، وهم في غياب تام عن تلك الممارسات التي تغتالهم دون أن يشعرون بها، فهؤلاء المخلصون لا يركزون على من حولهم من الموظفين والمسؤولين، ولا يحللون تصرفاتهم معهم، هم فقط يركزون على واجباتهم بكل دقة واقتدار.

وهنا تكمن المأساة بعد مضي الأعوام والسنون، عندما ينظرون حولهم ولا يجدون سوى الوحدة التي تغتال كل ما بنوه وما شيدوه، فتخور معه قِواهم العاطفية والجسدية، من هنا تبدأ تلك المشاعر في الظهور، وتبدأ في التأثير على إمكانياتها التي احتفظوا بها سنين وهم في قوتهم ولمعانهم الوظيفي، يرون قدراتهم وحبهم للعمل ينهار ويتداعى أمامهم وهم أنفسهم يعتريهم أصناف الضعف، ليس لأنهم ضعفاء، بل لأنهم أضعفوا أنفسهم وقت ما كانوا أقوياء.

هكذا أنهوا سلسلة عطائهم المستميت في المهنة، وهكذا سمحوا لغيرهم بتغييبهم عن المشهد الوظيفي في المكانة الوظيفية وفي الحوافز المالية، وعندما نظروا حولهم تيقنوا بأن الركب غادر إلى مناصب أعلى منهم بكثير وهم كما هم يحفرون في الصخر، فخارت كل قِواهم، حتى أصواتهم لم تعد تُسمع وكأنهم تهاووا نحو جرفاً هارنٍ.

الاستنزاف النفسي هو القاتل الذي ينام سنين في أفئدة الموظف الكفء، وتأتي ساعة الاغتيال بعد تلك السنين، فيفقد معها الشعور بالكفاءة المهنية ويقل إنتاجه ويصبح غير قادر على التأثير أو النجاح، هكذا يصاب بوهن متلازم يتضمن تراجع الحماس وعدم القدرة على إثارة نفسه وحماسه في منظومة عمله، ويصبح متجنباً للمسؤولية والمهام الموكلة عليه في عمله.

كما أن من الأسباب التي توصل الموظف إلى الاحتراق الوظيفي في مؤسسته، زيادة ساعات العمل والضغوطات المستمرة من المسؤول الجائر الذي ربما تتلمذ على يد مسؤول قبله اعتمد في توجهاته مع موظفيه على مبدأ دكتاتوري صارم، وهي النافذة التي يشرق بها على موظفيه كل صباح يوم جديد، خلق فيهم تلك النفسيات التي عافوا من خلالها العمل والقدرة على التجانس معه.

أما المكافآت المادية والمعنوية وغيابها عن الموظف هي سبب من تلك الأسباب التي توصل إلى الاحتراق الوظيفي، فكل شيء في الحياة العملية يحتاج إلى الأخذ والعطاء وليس على الأخذ وحده، الحوافز والمكافآت هي سلاح تتجدد معه شحذ الهمم وغرس النجاح في اكتمال مهام أداء العمل اليومي، حينما يشعر المرء بشكل عام بالرضا التام والراحة النفسية في استقراره المالي، يبدأ ينتفض من جديد في جوانب عمله وكأنه يجدد العهد القديم بينه وبين عمله منذ أول يوم شمر فيه عن ساعده، وكان فرحاً سعيداً بتلك الوظيفة التي كانت تعني له في بداياته نقلة نوعية وفرصة ذهبية حلم بها سنين منذ فصوله الدراسية وكرس حياته لها.

علينا أن نتذكر دائماً أننا مسؤولون عن أنفسنا، وعن غيرنا ممن حولنا من الموظفين، فلا نقسوا على أنفسنا في العمل اليومي، ولا على من دوننا من ولينا أمر قيادتهم، لابد لنا بأن نكون قدوة وركيزة صالحة وصادقة، نبني معها حياتنا العملية والمهنية بعيداً كل البعد عن ما سوف يؤثر علينا سلباً أو على من يشاركنا حمل أمانة العمل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن لجسدك عليك حقاً ) يحث فيه رسول الله على الموازنة بين حقوق الله وحقوق الناس وحقوق الأهل وحقوق الجسد، ومقولة ( لبدنك عليك حق ) هي مأخوذة من هذا الحديث الشريف، إذاً علينا ألا نرهق أجسادنا بشكل مفرط بحيث نوقع الضرر على صحتنا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights