نقطة تحول، وقرار الانتماء

ثريا بنت حمود الراشدية
في مقال سابق بعنوان “ألحان التناغم في أروقة العمل”، تحدّثتُ عن تجربة انتقالي المؤقت من قسمي الأصلي إلى قسم آخر، وذلك بسبب أعمال صيانة وتجديدات داخلية شملت بعض التعديلات والديكورات في المكتب الأساسي. كنت أظن حينها أن هذه المرحلة ستكون قصيرة وعابرة، وأنني سأعود سريعًا إلى مكتبي المعتاد بمجرد الانتهاء من تلك الأعمال، لكن ما حدث تجاوز مجرد تغيير مكاني مؤقتا.
في ذلك المقال، شاركت مشاعري تجاه هذا الانتقال المفاجئ، وتحدثت عن حالة التناغم والارتياح التي شعرت بها في القسم الجديد، حيث البيئة الهادئة، وروح التعاون بين الزميلات، والتفاهم المتبادل الذي جعل من كل يوم في العمل تجربة سلسة وممتعة. لم أكن أتوقع أن ينتج عن هذا الانتقال المؤقت كل هذا الأثر الإيجابي داخليًا، لكنني وجدت نفسي فعليًا جزءًا من مكانٍ لم يكن مجرد بديل… بل كان أشبه بمحطة اكتشاف.
ولطالما كنت أتمنى أن أكون جزءًا من هذا المكتب الذي وصفته في “ألحان التناغم في أروقة العمل” بأنه مكان من يدخله يصعب عليه الخروج منه، لما يحمله من دفء إنساني، وتناغم في الأداء، وروح عالية من التعاون. واليوم، أتشرف بأن أكون بالفعل جزءًا منه، وأن أشارك زميلاتي فيه هذه المساحة الهادئة والمحفّزة على العطاء، حيث يتجسد التناغم الذي طالما وصفته في مقالي السابق.
ورغم ذلك، لم يكن اختياري الانتقال لهذا القسم قرارًا شخصيًا مباشرًا؛ إذ اكتفيت حينها بقبول فكرة “تجديد البيئة” والانتقال إلى أي مكان يراه المسؤولون مناسبًا ريثما تكتمل أعمال الصيانة. تركت مساحة الاختيار لهم، ولم أضع في ذهني سوى أنني عابرة بمرحلة مؤقتة. لكن بحكمة الله وتوفيقه، جاء اختياري غير المباشر في مكان هو الأقرب إلى شخصيتي المهنية، والأكثر انسجامًا مع طبيعتي العملية.
ومع انتهاء أعمال الديكورات وعودة المكتب الأساسي بحلته الجديدة، عدت إليه بشكل مؤقت فقط، وذلك لإنهاء بعض الترتيبات والتعديلات المعلقة، وانتظرت حتى يتم التوقيع الرسمي على قرار الانتقال الكامل. كانت عودة قصيرة، أشبه بمحطة وداع هادئة قبل أن أمضي إلى وجهتي الجديدة.
ومع مرور الأيام، وبينما اندمجت بشكل أعمق في القسم الجديد، بدأت أشعر بأن ما اعتبرته مؤقتًا هو في الحقيقة ما يناسبني أكثر. لم تكن المسألة مجرد ارتياح عابر، بل شعور داخلي واضح بأنني في المكان الذي يُخرج أفضل ما لدي، سواء على المستوى المهني أو الشخصي.
خلال هذه الرحلة، فهمت أن كل محطة لها أهميتها ومعناها. كانت التجربة السابقة فرصة أكبر للنمو والتفكير، وساعدتني على معرفة ما أحتاجه بالفعل، وكيف أختار أفضل بيئة عمل تناسب مسيرتي المهنية.
اخترت البقاء…
لأنني وجدت في هذا القسم مساحة آمنة ومُلهمة، بيئة تشبهني، وأشخاصًا يُشبهونني، وطريقًا جديدًا يناسبني أكثر من كل الطرق السابقة، حيث يستمر التناغم بين الزميلات ليكون جزءًا من الحافز اليومي على العطاء.
هي ليست مجرد وجهة عمل… بل نقطة تحول
( رابط مقال السابق ( ألحان التناغم في أروقة العمل ) : https://alnaba.news/?p=160875



