السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

رصيد العلاقات

  صالح بن سعيد الحمداني

مقولة تردد كثيرًا وواقع نعيشه في زمننا هذا، لطالما كنتُ أتساءل وأنا أراقب قصص الناس من حولي عن سرّ النهاية المفاجئة لبعض العلاقات حتى تلك التي عاشت عقودًا من الزمن، أرى زواجًا استمر عشرين أو ثلاثين عامًا ثم ينتهي فجأة وكأن كل تلك السنين كانت مجرد فصل طويل من مقدمة انتهت بلا نتيجة.

وأتساءل إذا كان الفراق حتميًا؛ فلماذا لم يقع في بدايات الزواج أو بعد بمدة يسيرة منه حين لم يتفقوا وحين كان الجرح صغيرًا والالتئام ممكنًا والأمل في الإصلاح أكبر؟

ولم يقتصر الأمر على الأزواج بل يمتد إلى تلك العلاقات والصداقات القديمة، تلك التي نشأت على مقاعد الدراسة أو أيام الشباب أو رفقة عمر أو صحبة صالحة في عمل الخير ثم ماتت على حين غُرة، أصدقاء كانوا أشبه بالإخوة ثم فرّقتهم خصومة أو موقف واحد ولم يستطع أحد مهما كانت مكانته أن يجمع شملهم من جديد، بل ويصل الحال حتى بين الأقارب والأشقاء قد يحدث أن تُقطع الصلة فجأة وكأن خيط الرحمة الذي يربط القلوب قد انقطع بغير رجعة.

كنت أبحث عن السبب كثيرًا وأحاول أن أقنع نفسي بأسباب كنت محتارًا في تصديقها، وأستعرض المواقف وأتساءل إن كانت هذه النهايات قدرًا لا مفر منه أم أن هناك شيئًا أعمق؟ حتى أدركت شيئًا مهمًا قاله وسبقني إليه آخرون في تجاربهم أو ثقافتهم، حقيقة خفية قد لا نلتفت إليها إلا متأخرين “كل علاقة بين البشر (زوجية كانت، أو صداقة، أو قرابة) تملك ما يمكن أن أسميه “رصيد العلاقة”.

هذا الرصيد ليس مالاً ولا شيئًا ملموسًا؛ بل هو مجموع ما نمنحه لبعضنا من تقدير واحترام وود ومواقف طيبة، هو أشبه بحساب بنكي في بنك المشاعر نودع فيه حسن الخلق ونحسن رصيده بالعطاء ونخصبه بالمحبة، وفي المقابل نسحب منه حين نخطئ أو نهمل أو نجرح أو نُسيء بوعي أو بغير وعي أو نؤذي أحد.

ومثل أي حساب إن لم نُحسن تغذيته بالإيداعات المستمرة فإنه سيتناقص حتى يصل إلى الصفر، وعند تلك اللحظة والنقطة من الإفلاس في المشاعر تنتهي قدرة القلب على التحمل وينكسر شيء داخلي لا يُصلحه اعتذار ولا جبر.

المؤلم أن بعض الناس يظنون أن رصيدهم عند الآخرين لا ينفد فيتما في الإهمال أو يتكرر منهم السلوك المؤذي وهم يركنون إلى رصيد قديم من المحبة أو التسامح غير مدركين أن كل موقف سلبي يسحب من ذلك الرصيد شيئًا فشيئًا، وهناك من يظن أن العلاقة الطويلة بحكم مدتها أقوى من أن تنهار لكن الحقيقة أن الطول الزمني لا يعني الحصانة، ومنهم من يعتقد أن الطرف الآخر محتاج له ولن ولا يستغنى عنه متناسياً بأن في الحياة من هو أفضل منه وعنه وأن الله لا يغلق بابًا وإلا فتح أبوابًا أجمل وأفضل.

فالزواج الذي استمر عشرين عامًا يمكن أن ينتهي في يوم والصداقة الممتدة منذ الطفولة قد تُمحى بلحظة والعلاقة التي نشأت بحب وإلفة ومودة وإحترام قد تنتهي بتصرف طائش وفعل أو قول جارح إذا نفد الرصيد، بل إن تراكم السحوبات على مدى سنوات طويلة دون إيداعات تُعادلها يجعل النهاية حتمية حتى لو تأخرت.

مع ذلك توجد استثناءات في بعض العلاقات؛ حيث يقرر أحد الطرفين “إعادة شحن الرصيد” رغم استنزافه، قد يفعل الزوج ذلك من أجل الأبناء أو الزوجة من أجل استقرار الأسرة، وقد يتغاضى الأخ عن إساءة أخيه حفاظًا على صلة الرحم أو يصبر الصديق على صديقه وفاءً لذكريات لا تُقدّر بثمن.

لكن هذه الإعادة لا يمكن أن تدوم إلى الأبد، فإذا تكررت الأخطاء والتمادي؛ عاد الرصيد إلى التناقص وربما أسرع من قبل لأن طاقة الاحتمال قد ضعفت، وحين يصل الأمر إلى الحد الأخير؛ يتخذ القلب قراره بلا تردد “قطع العلاقة نهائيًا”.

ويكون القرار هذه المرة ثابتًا خاليًا من التردد بلا ندم ولا مراجعة؛ عندها تضيق دائرة العلاقات وتبقى فقط الروابط التي يفرضها الدين أو الواجب أو المروءة أما البقية فيُغلق ملفها تمامًا.

ولهذا؛ علينا أن نُدرك أن العلاقات ليست ملكية خاصة نحتفظ بها بمجرد مرور الزمن، بل هي مسؤولية تحتاج إلى صيانة دائمة، تمامًا كما نُصلح بيوتنا أو نعتني بصحتنا علينا أن نعتني برصيدنا العاطفي عند الآخرين.

فلا يكفي أن نقول “لقد عرفني منذ سنين وسيتحملني”، بل يجب أن نحرص على أن تكون أفعالنا جديرة بالبقاء في قلوبهم.

أودعوا في رصيدكم كلمات طيبة وابتسامات صادقة ومواقف مخلصة وأفعالاً نبيلة، ابتعدوا عن الجرح والإهمال والتقليل من شأن من تحبون، تذكروا أن القلوب مهما كانت قوية لها طاقة محدودة وأن حتى أعظم المحبين يمكن أن يرحلوا إذا شعروا بأن رصيدهم لديكم قد نفد، ومع مرور السنين وتراكم التجارب؛ ستجدون أن دائرة علاقاتكم تضيق ليس تعالياً ولا كبراً بل لأن التجارب تصقل البصيرة.

تعلموا كيف تُميّزون بين من يستحق استثماركم العاطفي ومن يستهلكه بلا مقابل وتدركون أن جودة العلاقات أهم بكثير من عددها، لا شيء يضمن استمرار أي علاقة سوى المحافظة على الرصيد الإنساني فيها مثملًا بالمودة والرحمة والاحترام والحرص على مشاعر الطرف الآخر، ومن فهم هذه الحقيقة عاش حياته بأقل الخسائر وأكثر القلوب وفاءً.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights