التعالق النصي بين القرآن الكريم ونهج البلاغة خطبة همام مثالاً (صفات المتقين)
د. حميد أبو شفيق الكناني
كاتب إيراني حافظ للقرآن الكريم ونهج البلاغة
القسم الثالث والأخير
نص الخطبة:
فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَحَزْماً فِي لِينٍ وَإِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَحِرْصاً فِي عِلْمٍ وَعِلْماً فِي حِلْمٍ وَقَصْداً فِي غِنًى وَخُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَتَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ وَطَلَباً فِي حَلَالٍ وَنَشَاطاً فِي هُدًى وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَيُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ وَزَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ .
التعليق
تحمل هذه السلسلة المسجعة من الصفات الحميدة والسمات المجيدة ألفاظاً ظاهرة ومعان باطنة من القيم الإنسانية التي توحي بالآيات القرآنية.
فمن ظاهر الآيات على سبيل المثال لا الحصر:
١-مَكْظُوماً غَيْظُهُ.
٢- يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ
*الآية*
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ.
*آل عمران١٣٤*
٣- وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ.
٤- خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ
*الآية*
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ.
*الرعد٢١*
ومن الإشارات الباطنة التي تغني عن العبارات الظاهرة:
١- وَخُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَتَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ.
*الآية*
*الَّذينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
المؤمنون ٢
*وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ.
البقرة ١٧٧
٢- يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ.
*الآية*
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
آل عمران ١٩١
والواقع ان الكمال يتجلى في هذه الصفات التي لا يحملها إلا ذو حظ عظيم من الكرامة الربانية والشهامة الإنسانية وقد حملها من كان أحقّ بها واهلها من المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
جاء في الحكمة رقم ١٢٠ من نهج البلاغة:
وأما نحن فأبذل لما في أيدينا وأسمح عند الموت بنفوسنا …..
نص الخطبة:
بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ مُقْبِلًا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَلَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَلَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَلَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَلَا يُضَارُّ بِالْجَارِ وَلَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزَاهَةٌ وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَعَظَمَةٍ وَلَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَخَدِيعَةٍ .
*التعليق*
*وفي نهاية المطاف*
يستمر سجع الخطبة المرتل ترتيلاً والملقى تنزيلاً في هذا السياق الماراثوني الممتع بتنوعه فلا إيجاز مخل ولا إطناب ممل الذي لا يحتاج القارىء فيه إلى قيلولة في ظلال الألفاظ لأن المعاني صارخة بصوتها وصداها وبعد فهمها ومداها كالمحيط الهادئ في أعماقه والمتلاطمة أمواجه.
فلا يقرأ القارئ جملة جميلة ورائعة إلا انتظر الأجمل وتوقع الأروع وليس هذا بغريب لأنه تعود على الذوق الراقي في دقة البيان ورقة الإحساس النابض بأصالة الطبع وسلامة الفطرة.
*وَمَا طَرَبي لمّا رَأيْتُكَ بِدْعَةً.*
*لقد كنتُ أرْجُو أنْ أرَاكَ فأطرَبُ*
نص الخطبة:
قَالَ : فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام:
أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ :
أَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ :
فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ عليه السلام:
وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ وَسَبَباً لَا يَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ .
التعليق
وتنتهي الخطبة بهذه النهاية المأساوية نهاية تراجيدية نعتبرها معياراً للذين سمعوا ووعوا للذين يشملهم الله بكراماته فيريهم ملكوت السموات والارض ليكونوا من الموقنين.
للذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم للذين ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق.
للذين هجم بهم العلم على بصيرة فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استعوره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون.
مات همام بصقعة العبرة والفكرة وما زال نداء الحق يصرخ *وا هماماه*
أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ أَيْنَ عَمَّارٌ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ وَأُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ .
أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِيَ الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ . (نهج البلاغة الخطبة ١٨٢)
*ولا ننسى مالك وما مالك وما أدراك وما يدريك.*
مالك و ما مالك و الله لو كان جبلا لكان فندأ. او كان حجرا لكان صلدا لا ير تقيه الحافر، و لا يوفى عليه الطائر.
(قالها لما جاءه نعي مالك الأشتر)
نهج البلاغة الحكمة ٤٤٣
هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا



