الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

كل شيء قد ذهب ..

   مريم شملان

منذ أن كنت أقطن في ذلك الحي الذي يسكن الروح، ومربّع الطفولة والحياة البسيطة والبراءة واللهو بلا مسؤولية، ولا سؤال ولا جواب، فقط الضحك وراحة النفس، وفي ذلك المكان الدائري والذي تجود تربته المتنوعة بين رمال ذهبية وطين وحُفر من إثر أودية وشعاب قد غمرتها المياه من آلاف السنين، ورمال بحرية وكثير من بقايا ” المحار البحري وهياكل لأسماك، ومستحثات متبقية من أزمنة غابرة” تجدها بكل شبر بين الرمال المتكدسة وبين جذوع الشجيرات الصغيرة التي تنمو ولا تموت أبداً، ولم يسقط نظري بهذه الحياة على شجيرات أكثر منها قوة وتأقلم لجميع أنواع الطقس حرارة شديدة وبرودة قارصة، وتربة متنوعة لمجرد سقوط المطر عليها تجود علينا بجمالها، والتي تنمو بمساحات كبيرة في تلك البقعة.

ذات يوم كنت قد تذكرت ومر شريط ذكرياتي بالحقول والمزارع الغَناءَ التي كانت مُتراصة، السبعينية والحديثة منها والقديمة منذ آلاف السنين بصف واحد، وصولا لحافة البحر تلتف حول المنطقة كنصف دائرة ليكون النصف الآخر لساكنين ذلك النصف ومنازل تُعد على الأصابع؛ فساقني الشوق لتلك الدروب التي جمعتني بمن أُحِبّ من رفاق العمر الدراسي، والجيران الذين بعضهم قد أخذه الرحيل للنهاية الأبدية، والبعض ما زال في صراعٍ مع الحياة، ولكن أنقطعت تلك الحبال القوية والتي كانت كأنها معقودة في ألواح سفينة تُصارع لجج البحر، تقطعّت وأضحت مهترئة العُقد، مضيت في طريقي أكتشف ما كان وما أختفى، تذكرت شخص أعلم أنه ما زال حي يُرزق، بلغ من العمر المئة ونيف وربما على حسب حديثة أكثر من ذلك .

طرقت الباب، أنه عاجز عن الحركة فقط شيء بسيط في دائرة تلك الغرفة القديمة التي ما زالت تجمع أنفاسه لتعمْ الفرحة في ذلك المنزل الذي أصبح كثكنة عسكرية لا يوجد بداخله إلا الخوف من الغرباء والتأفف من القادمين، والعيب والنظر إلى الزائر بشيء من تقليل القيمة والاستخفاف حتى علموا من أنا، جيل لا يدرك معنى الحُب والعطاء والوفاء، ولا ينظر للناس إلا بنظرة الفاحص على الرغم من أن من قام بتربيتهم قمة الأخلاق والطيبة، للوهلة الأولى تذكرت خارطة المنزل، والسلام الذي مزجته بالضحكات والقصص المتداخلة وهو يبتسم ويقول لست بالغريبة؟ فقلت له نعم، وعزمني على قهوة وبعض “الرطب”، فقلت له؛ “يا خالي أين ذهبوا الذين كنا معهم”. أومأ برأسه وأشار بيده وكأنه يُريني أين ذهبوا؛ فأجبته بالترحم، وعدت إلى عزف الوتر الذي كنا ننشد عليه من حديث مؤنس وحياة لم نعد نملكها، ثم أكملت حديثي؛ “كيف المزارع، وكيف (المْسلة)، كيف الحصاد هذا الموسم؟”، أبتسم وقال؛ “الآن أدركت من تكوني”، وعيناه الصغيرتان باتجاهي مباشرة ويحدق بي، فقال؛ “كيف والدتك”، قلت؛ “هي متعبة جداً”. بعدها وبصوت خافت جداً ولكنني الآن أنا المنصتة له وهو يتحدث؛ “أين ذهبت (المْسلة)!!؟ وجاراتها اللواتي كُنْ في صف واحد وكأنهن الجنود الحامية”؛ فابتسم لي، “كنت أرغب بإكمال حديثه والذي أوقفه التحسف ربما أو ذكرى قد حضرت للوهلة وعادت أدراجها، أكملت حديثه؛ “حقيقة يا خالي فعلاً كُنَّ جنود(المْسلة وحليفاتها المتجاورات في تلك البساتين واللواتي شربنْ من عَرق المُجاهدين والصابرين والمنتظرين لوقوفهن شامخات في تلك الأراضي والتي لم يتوانوا يوما إلا بالوصول لِمبتغاهم في وقت لم يكن إلا من جُودهنَّ، يُطعمن عابر السبيل الذي يمر بِطُرُقَات الباطنة وهو يعي أنه سيجد طعام رغم أنه لا يحمل طعام، نعم، كُنَّ ملاذ الأيتام والأرامل من جودهن قد ملأن البطون لمتُربين لا يملكون إلا حُلم حفنة من كَرمهنْ، تلك الصفوف أغاثت منازل لا يوجد مُعيل فيها قد كان يطلب رزقه في أراضي الله الواسعة، كُنَّ رحمة لكل من مر بِطرقات سُكناكم لعقود خلت واندثرت، ولكنها باقية في نفوسكم أجدادنا وآباءنا ومن عاصر عهدكم”، ثم قبلته على يده وهممت بالخروج وهو به طمع أن أبقى لوقت أكثر، ولكنني اليوم أصبحت أعلم أنني فقط لي دقائق للضيافة ولكن في ما مضى كنت أنهي يومي بجوار منازلهم وبداخلها، لا نكترث، ولا نشعر بسوء المعاملة أو كان وجودنا بصحبتهم له وقت محدد..

1-المْسلة- أسم لأحد أنواع النخيل

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights