ظفار … خريفها لا ينتهي
د. رقية بنت عديم الفورية
في الجنوب العُماني، تتهادى ظفار كأنها قصيدة كُتبت على إيقاع المطر. تمطر السماء ماءها وتنبت الأرض حكايات، وتخلد على الجبال والسهول ذاكرة التاريخ.
دخلتُ ظفار هذا الخريف، الضباب يسبقني إلى الطريق، الغيوم تنزل من السماء كأنها تعرف أهلها، وأشجار المشلي الخضراء تميل مرحبة بضيوفها، وجوه مبتسمة مرحبة، سلام وهدوء من الهواء المنعش العليل.
في سوق الحافة وعودة الماضي، بخور اللبان عبق يتصاعد مثل دعاء إلى السماء.
تُسمى ظفار بأسماء كثيرة منها: أرض اللبان، بلاد الأحقاف، بلاد بونت، ساكلن، أوفير، بلاد الشحر، ريدان، لبانها عبر البحار إلى الهند وروما ومصر.
الخريف في ظفار ليس فقط موسمًا، بل حالة من الإبداع، تنقلب الأرض بساطًا أخضر. فلو قدر لي أن أرسمه في لوحة، لرسمت غيمة خريفية ناعمة، لا تمطر ماءً بل ألحان الشوق، تهمس بأغنية قديمة على جبال سمحان. في وسط اللوحة، الجبال بلون أخضر عميق كأنه حرير من سندس، ويلامسها السحاب. على الجانب الأيسر، سأرسم سهلاً فسيحًا مغطى بشجر اللبان، الريح تمر فوقه خفيفة ترتل نشيد المطر. وفي الأسفل، بحر يمتد كنَفَس طويل بلون فيروزي يشبه حلمًا، وعلى ضفافه شجرة لبان واقفة تروي كل حكايات العطر. وفي المنتصف، امرأة ظفارية بثوبها المطرز لا يشبهها إلا بنات الحور.
المدن الساحلية كمرباط وطاقة، تستقبلك برائحة البحر وقصص البحارة. سمهرم والبليد، مواقع أثرية تحكي كيف كانت ظفار بوابة للعالم. الناس في ظفار لا يبيعونك شيئًا قبل أن يضيفوا عليه دعاءً وابتسامة، وفي كل بيت ظفاري، حكاية تُروى، وفي كل زاوية، تراث يُلمس. نساء يطرزن العباءات كما تطرز الغيوم الجبال، ورجال يرتدون “المصار” بكل فخر.
ورغم أن الخريف هو سيد المواسم وأشهرها في ظفار، إلا أن هذه الأرض الوادعة لا تختصر جمالها في فصلٍ واحد. ظفار تملك كنوزًا من الجمال تفيض على مدار العام، ويمكن لها أن تكون قبلةً للزوار في كل وقت، إن نحن أحسنا الإصغاء لندائها، وتجميل فصولها بلمسة من التخطيط والرؤية.
إني قد جمعتُ مقترحاتٍ وأفكارًا، تشكّلت من ملاحظاتٍ شغوفة، وحدسٍ يؤمن بجمال ظفار الدائم. رؤية تنظر إلى أبعد من موسمٍ واحد، تسعى لصناعة سياحة نابضة تمتد على مدار العام.
في شهور الشتاء (ديسمبر – فبراير)، سنجعل مرباط وطاقة تستيقظ على وقع المهرجانات التراثية، وتغدو جبال سمحان محجًا لعشاق التخييم، حيث الهواء نقيّ كالدعاء، والليالي مفعمة بالحكايات. وفي جولات “في أثر اللبان”، لا يتتبع الزائر طريق التجارة فحسب، بل يسير في أثر حضارة ما زالت تنبض في الشجر والحجر.
ونزهر السياحة الثقافية في الربيع (مارس – مايو)، كما تزهر الجبال، بجولاتٍ للمواقع الأثرية حيث يرتدي المرشدون الأزياء التقليدية، وتُقام ورش التطريز وصناعة البخور بروح الجدات، والأمسيات الثقافية والشعرية والمسرحيات. وتُضاء الليالي بأمسيات “قهوة وظفار”، حيث تُروى القصص كما يُشرب البن، دافئًا بالحكايا.
وفي الصيف (يونيو – أغسطس)، حين يتهيأ الخريف، نقيم فعاليات صديقة للأسرة، تجعل من الخريف فسحة للدهشة الصغيرة، وتُطلق “مهرجانات الزهور الخريفية” لتضفي على الطبيعة لمسة من بهجة الإنسان.
ثم يأتي الخريف الآخر، خريفٌ لا يعرف الغيم فقط، بل يعرف الدروب والمسارات (سبتمبر – نوفمبر): حيث نقود رحلات التأمل والمغامرة تمشي بين وديان دربات وتلتقط بعدستك أسرار الطبيعة، وتشارك الفجر مع مزارعي اللبان في جولة تبدأ قبل أن تستيقظ الشمس.
وهكذا، تصبح ظفار لوحة موسمية متكاملة، لا تنحصر في فصل، بل تمتد كقصيدةٍ على اثني عشر بيتًا من الإبداع.
من أراد الجمال فليأتِ إلى ظفار، فهي عطر مستمر في ذاكرة الخليج والعالم. هي ليست خريفًا فقط، بل عامٌ كامل من الألوان، والوجوه الطيبة، والطبيعة التي لا تعرف الزيف.



