التعالق النصي بين القرآن الكريم ونهج البلاغة خطبة همام (صفات المتقين) مثالاً
د. حميد أبو شفيق الكناني
كاتب إيراني وحافظ للقرآن الكريم ونهج البلاغة المعلقات السبع
القسم الأول:
ومن خطبة له عليه السلام يصف فيها المتقين؛ رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً للإمام علي يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ، كَانَ رَجُلًا عَابِداً، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِيَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَتَثَاقَلَ الإمام عَنْ جَوَابِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللَّهَ وَأَحْسِنْ فَ {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}- (النحل ١٢٨). فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِهَذَا الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ثُمَّ قَالَ:
“أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ، فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَمَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ، غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ، نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ، وَلَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا؛ فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ، صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا ……”
التعليق:
إنها خطبة فريدة من نوعها، جمعت صفات وشرحت مواصفات وعرفت سمات للمتقين ما لا نقرأه ولا نلمسه في موضع آخر سواء في نهج البلاغة أو خارج ذلك…
إنها سلسلة عذبة من الجمل المسجعة والأوزان الملمعة، واضحة البيان عميقة المعاني، دقيقة الألفاظ تتحلى بقوة النص ورقة العاطفة ودقة الوصف الذي يفوق التوقعات، ويروق للقارىء أن يتغنى به ويردده مراراً وتكراراً.
ولم يقنع صاحب الإمام علي “همام” ولم يكتف بعد إن دعاه الإمام إلى التقوى والإحسان.
اتَّقِ اللَّهَ وَأَحْسِنْ، فَ {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}-(النحل: ١٢٨).
ولم يختم كلامه كما ختم الله سبحانه سورة النحل بهذه الآية التي تنبض بالتقوى وتفيض بالإحسان.
أسرد الإمام صفات المتقين من نبع القرآن إلى زرع نهج البلاغة ليغرسها في هذه الخطبة العجيبة السمات والدفاقة بظاهر الآيات…
ولعل هذه الفضائل في بداية هذه الخطبة هي بداية سورة المؤمنون من قوله: قد أفلح المؤمنون إلى قوله: الذين الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
ونهاية سورة الفرقان من قوله:
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ…}.
إلى قوله: {وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا …..}.
كما لهم من صفات الملائكة الحظ الوافر، فهم في الجنة منعمون قبل دخولها، وهم في النار معذبون رغم أنهم عنها مبعدون.
بقلوبهم السليمة ونفوسهم الكريمة وصبرهم الطويل في دنياهم المحدودة بالأيام المعدودة…
وللحديث بقية….



