العبثية الإعلامية بين التهجير والتوطين
سالمة بنت هلال الراسبية
تعد السلطنة، ومنذ تاريخها، ثقلاً إقليميًا يُوضع في كفة الميزان لخلق توافق فكري وتوازن لقوى العالم، في وقت تتعدد فيه المصالح الدولية وتتضارب في أحيان كثيرة، وتخلق حالة من الفوضى غير المحببة تهدد استقرار الشعوب وأمنها، وتستهدف أوطانهم ووحدة شعوبهم وتماسكهم.
ولطالما أسهم الإعلام، كقوة ناعمة من خلال قنواته ومنصاته الإخبارية، في جعل الدول ماركة مسجلة في جميع الجوانب، سواء الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنموية، وحتى على مستوى ثقافة شعوبها وصحوة فكرهم وتفنيدهم بين الغث والسمين والرديء والرصين والضحل والعميق. وعلى الرغم مما تبثه من برامج ومواضيع تتضمن انتقادات وتعدد الآراء وتنوعها واتفاقها في أحيان واختلافها في أحيان أخرى، تمثل صحوة فكرية وثقافية، وتحظى بقبول من شريحة جماهيرية واسعة؛ إلا أن من أهم الأمور التي ساهمت في خلق حالة من العبثية الإعلامية في الآونة الأخيرة هو السباق المحموم للمنصات الإخبارية وتعدد قنواتها، واقتصاص ما يثير حمى الشارع وخلق حالة من الفوضى، وصلت إلى حدود دولية غير مرغوبة، ودغدغة المشاعر في محاولة -ربما- لإيجاد ساحة من الصراع الفكري قد تؤدي إلى تسونامي يجرف ما أمامه، تغذيةً لأفكار ظلامية تحارب الاستقرار وتعزز من السخط العام المحلي والدولي، موظفةً هذه المنصات والقنوات في قالب يظهر ثقافة النقد وفي باطنها توقد نار الاستفزاز. كما يتيح الإمكانية للتحريض وتجييش الناس ضد بعضهم؛ فيتضاعف خطره ليقارب خطورة السلاح المنفلت، في وقت نحن في أمس الحاجة إليه لترتيب الصفوف وتماسكها، وترابط الكلمة والذود عن المقدسات وحماية الإنجازات طوال سنوات تعبق بالمجد والاعتزاز.
على الرغم من تنوع النوافذ الإخبارية وتعدد وسائل التواصل الاجتماعي، تبقى النزاهة الإعلامية أهم مبدأ يستقيم معه كل أمر، وترتقي به كل أمة ويفخر بها كل شعب. وبالتالي، لا بد أن تكون داعمة للجهود الخارجية لتتدفق مياه عذبة نقية وتعود إلى مجراها الأساسي ولا تتسرب أخبار من هنا وهناك. بل لا بد من توطين الإعلام الراسخ والمتسم بالحقيقة واليقين، وأن يكون صوتًا متناغمًا مع السيمفونية “السلام والأمان”، لا أن يكون صوتًا نشازًا.
وكما يؤكد “أرسطو” بأن المعرفة ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لبلوغ الخير؛ فالعلم بلا هدف أخلاقي كالبصر بلا رؤية صحيحة. فما هي قيمة ما نعرف إذا ما تم استخدامه كسلاح إعلامي لبث مشاعر سيئة لم تجد إلا أثير القنوات ومقالات الصحف والنشر عبر وسائل التواصل الإعلامي لتفريغ السيئ منه!



