السبت: 14 مارس 2026م - العدد رقم 2854
مقالات صحفية

في فمي ماء ..!

صالح بن خليفة القرني

في فمي ماء من حمى التهافت على الاستهلاك والتدافع على المظاهر والتكالب عن المادة لدرجة عدم المبالاة بالكسب حلالاً أو حراما؛ فمركبات فارهة يستدين بعضهم لاقتنائها، وأرقام سيارات تضاعفت أسعارها، ومقتنيات وكماليات وساعات وشنط وماركات أصلية ومزيفة، وارتياد للمطاعم والمقاهي وتصوير ذلك فقط للمظاهر والتباهي؛ فيتشكل وعي الجيل القادم، ويتركز نحو المادة الصرف دون الالتفات لقيم ومبادئ وأخلاق ومُثُل تضيف للحياة المعنى.

في فمي ماء من آفة العصر الحديث؛ فكهل يعبث به ال “TiK ToK”، ومراهق غارق في “Instagram”، وفتاة تنشر غسيلها على “Snapchat”، وشاب يغرد به ال “X” في مجاهل السراب؛ فيصبح معيار التمدن والحداثة أن تكون مسجلاً في هذه التطبيقات التي أضحت مسرحا للترّهات، يتناقل الناس فيها الأكاذيب وكأنها حقائق، ويتباهون بالسخافات وصارت مصادرنا للعلم والمعرفة، وهجرنا منابعنا العذبة مصادر التشريع؛ ولم نعد نحفل بتاريخنا ولغتنا وأدبنا.

في فمي ماء من السطحية والحكم العاطفي على الأمور دون تثبت وتمحص وتعمق، فيكفي أن ننظر لصورة لخبر ما في إي منصة أو تطبيق؛ فنهرع للتعليق وكأنما نزل علينا الوحي وصرنا نعرف كل شيء، فهذا الحادث بسبب الهاتف وذلك الحريق بفعل فاعل… فيوهمك العبقري كاتب التعليق بأن لديه تواصل مباشر مع (CIA) أو (FSB)، وأن ما عنده من رأي صحيح لا يحتمل الخطأ!

في فمي ماء من الوقاحة والصفاقة والفجاجة التي يظهر بها مشاهير “البرجر بودي”، أن أرسل لمن نعتهم بهذا الوصف قطعة برجر طازجة. فابتذال وإسفاف دون اعتبار لأخلاق وعادات وتقاليد، فمن تجاهر بالمعصية وتفاخر بالدياثة، ومن يهزأ بالزي الوطني فيهتز ويرقص رقصاً مخلاً طمعاً في المشاهدات وزيادة المتابعين!

في فمي ماء ليس فقط من إزدياد متابعي هؤلاء والذين يتجاوز بعضهم المليون ولكن من تعليقات متابعيهم المشجعه لهم والمدافعة عنهم وكأننا في مجتمع بلا معايير أخلاقية يستند عليها، وأكثر من يجعلني أحتفظ بالماء الذي في فمي ما نراه من تكريم رسمي لبعضهم ولم نر من هؤلاء المكرمين مساهمة تذكر تخدم الصالح العام سوى الترويج للبراندات والماركات والسفر والرحلات وكأننا من أصحاب الدخل الممدود لا المحدود!

في فمي ماء من فاقدي الشعور عديمي الإنسانية ممن لا زالوا يرتادون المطاعم الداعمة للكيان المحتل مع وجود البديل ويضربون عرض الحائط بالمقاطعة الاقتصاية، وأهلها ممن تخلوا عن دينهم وأخلاقهم وعن إنسانيتهم.

في فمي ماء من مدعي الفهم العميق للعمل المؤسسي وهم عنه بعد المشرق عن المغرب، ومن وضعتهم ظروفهم في مواقع المسؤولية وراحوا يتكسبون من مواقعهم ويتشدقون بالعبارات الرنانة التي ينخدع بها الحمقى، ممن يتفيأون ظلال الشعارات البراقة ولم يستفد من البرامج والمشاريع التي يعملون بها سواهم.

في فمي ماء من باعة الوهم من بعض مدربي التنمية البشرية؛ فهذا سيجعل منك بعد أن عانيت من التأتأة خطيباً مفوهاً لا يشق لك غبار، وهذا بسبب برنامجه التدريبي سيجعل منك وحيد عصرك وأعجوبة زمانك؛ فإذا بالقط رغم كل ما دفعه لم يصبح أسدا!

لم أعتد أن أكون سوداوي الطرح، وكتبت ما كتبت لأن كل ذلك كان يعتمل في رأسي وفيه الكثير مما بين السطور ولكنني لم أتفوّه به؛ ففي فمي ماء، وهل ينطق من في فيه ماء؟!

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights