الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

الصمود الاجتماعي

د. سعود ساطي السويهري
استشاري العلاج النفسي

عزيزي القاريء هل سمعت يومًا عن مفهوم الصمود والتماسك الاجتماعي ؟
إن هذا المفهوم يدعم بناء أسر ومجتمعات قوية قادرة على تحمل الانقسامات الناتجة عن أية صراعات قد يواجهها المجتمع، ومن هنا ينبثق دور المرونة الاجتماعية، وتأتي أهمية غرس هذه المفاهيم وتطبيقها.
ويتضمن مفهوم الصمود الاجتماعي مكونين أساسيين:
المكوّن الأول: هو”التوحد النفسي بين الأعضاء داخل تكوين جماعي، ويُعرف هذا المكوِّن باسم الفكري أو التصوري.ويرتكز على الجوانب المعرفية بما تتضمنه من تصورات وآراء واعتقادات ومخططات ذهنية، وعلى جوانب وجدانية دافعية تتضمن الشعور بالانتماء.

أما المكوّن الثاني: فيشير إلى العلاقات الملاحظة بين الأعضاء، ويُعرف هذا المكون باسم “المكون العلاقي ويرتكز على الالتزام الاجتماعي والأفعال المجسِّدة لطبيعة التفاعلات المتبادلة بين أعضاء الجماعة، في ضوء فكرتي المكانة الاجتماعية والأدوار الاجتماعية، وفي الحقيقة إنه يتم التركيز عادة على المكون الأول “المكون التصوري الفكري والإدراكي” المتعلق بمشاعر التوحد والارتباط لدى الفرد، وتحديدًا”الشعور بالانتماء.

ويُعد “إيميل دوركايم” عالم النفس الاجتماعي أول من تناول مفهوم “التماسك الاجتماعي أو الترابط الاجتماعي والتكافل الاجتماعي، وقال : بأنها ظاهرة أخلاقية قائمة بذاتها، وبأن درجة التماسك الاجتماعي تعتمد على طبيعة الجماعة والمنظمات والمجتمعات التي تؤثر تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا في أنماط سلوك الأفراد. كما أكّد العالم “ابن خلدون” أهمية التماسك الاجتماعي فقال: “إن المجتمع وعمرانه لا يمكن أن يظهرا إلى الوجود من خلال تفرّق جهود الأفراد وتبعثرها؛ فالإنسان يدرك بفطرته سبل عيشه، ويدرك ضرورة تعاونه وتماسكه مع الجماعة، فليس بمقدور كل إنسان أن يوفر حاجاته لنفسه”، فالتعاون في نظر ابن خلدون أمر ضروري لقيام المجتمعات، ولا يمكن لأي فرد أن يستغني عنه.

وقد عرّف “إتزيوني” التماسك الاجتماعي بأنه: علاقة إيجابية معبّرة بين فاعلين فما فوق. وهو أيضًا تجسيد لمدى الارتباط والتوحد بين أفراد المجتمع، وهو شعور راسخ داخل التكوين النفسي لأعضاء المجتمع بأن بينهم قيم وروابط مشتركة ومشروع حياتي جامع لهم، بغض النظر عن التفاوت بينهم في الثروة والدخل والمكانة.

وتجدر الإشارة إلى أن التماسك غالبًا ما يكون خاصية مميزة للجماعات، ولأن الجماعات لا تكون ثابتة أو ساكنة دائمًا؛ فإن التماسك الاجتماعي قد يتعرض كذلك للتفكك، وتُعد الثقافة من أهم العناصر التي تساعد على “التماسك والصمود الاجتماعي”، فهي القاعدة التي ترسّخه.

وهناك عدّة عوامل تؤثر في التماسك الاجتماعي، منها:

1. التغير نتيجة الغزو الثقافي: قد يؤدي الغزو الثقافي إلى صراع بين القيم الأصيلة والقيم المستوردة، وتدمّر بالتالي كافة القيم الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمعات.
2. المدنية: كلما ازدادت المدنية يقل التماسك الاجتماعي، نتيجة ضعف العلاقات الاجتماعية، وزيادة مفهوم التنافس، واهتزاز قيم الأفراد، وتغليب “الأنا” على “نحن”.
3. الهجرات المتعددة: إن المهاجر قد يشعر بالعزلة عن الآخرين، وبالتالي قد يقوم بتكوين أحياء خاصة للمهاجرين، أو جماعات عنصرية تخل بتماسك المجتمع ووحدته.
4. الحروب والنزاعات المسلحة: تدفع الحروب والنزاعات المجتمع إلى إعادة ترتيب أولوياته، وتخلِّف صراعات نفسية داخل الأفراد ونقص في إشباعهم لحاجاتهم، وشعورهم الدائم بالتهديد.
وبناءً على ما سبق، فإن التماسك الاجتماعي يتحدد ببعدين رئيسيين هما: مستوى الشعور بالانتماء، وطبيعة ونوع العلاقة بين أعضاء المجتمع، والتي يجب أن تكون مبينة على أساس التواد والتراحم.

وتتمثل النتائج الإيجابية للتماسك الاجتماعي في ازدياد ثقة أفراد المجتمع بقدرتهم على تجاوز كافة الأزمات والصعوبات التي يواجهونها، وتقديرهم لأنفسهم وتقديم الدعم لبعضهم البعض لمواجهة الضغوط والتوترات بصورة إيجابية تساهم في تعزيز صحتهم النفسية.

وختامًا يمكننا استذكار قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر ” متفق عليه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights