السبت: 14 مارس 2026م - العدد رقم 2854
مقالات صحفية

(كتاب صغير) أنا محتاج أن أغرق .. تأملات في جلد الذات

 عادل بن حميد الجامعي

صفحة أولى | المقدمة ..
أنا محتاج أن أغرق
ليست صرخة استغاثة،
ولا نداء غريق يتوسل النجاة.. بل وشوشة الداخل للداخل، حين تُثقل الروح بما لم تقله، ولم تُصلحه، ولم تحبه في نفسها.. هي الهمسة الأخيرة قبل الانغماس الكامل.. في بحر الملذات.

صفحة ثانية | الجلد الذي لا يُرى

نحن نتحدث كثيرًا عن جلد الذات، كأنه كائن شرير يسكننا، يجلدنا بسياط التأنيب، ويجعلنا نلعن أنفسنا بدل أن نحتضنها؛ لكننا لا نفهم أن هناك نوعًا من الجلد، جلدٌ ليس للنفي.. بل للتطهير.. جلدٌ لا ينبت من كره النفس، بل من حبها الكبير.. ذلك الحب الذي لا يرضى لها أن تكون أقل مما يجب أن تكون.

صفحة ثالثة | الغرق الذي يُنقذ

أنا محتاج أن أغرق..
نعم، أن أغرق في كل أخطائي الماضية، لا لأبقى فيها، بل لأُخرج منها ذنوبي كالأشواك، وأقتلعها واحدةً واحدة. أحتاج أن أغرق في وحدتي، حتى أسمع قلبي جيدًا، أن أغرق في عزلتي، حتى أنظف مرآة نفسي من غبار المديح وغشاوة الكسل. أن أغرق.. حتى لا أعود إلى السطح إلا وأنا أعرف كيف أطفو بحقيقتي، لا بتجمّلي.

صفحة رابعة | جلد النخبة

من قال إن الناجحين لا يجلدون أنفسهم؟
بل العكس، هم يجلدونها أكثر، لكنهم لا يجلدونها لتتألم، بل لتتشكل، لا يجلدونها لأنهم يكرهونها، بل لأنهم يؤمنون بها، يؤمنون أن فيها نبلًا عظيمًا لم يُستخرج بعد. جلد الذات عند العظماء يشبه نحت الحجر الكريم:
ضرباتٌ دقيقة، لا تترك إلا جمالًا.

صفحة خامسة .. مرآة الليل

في كل ليلة، حين تسكن الأصوات، حين لا يكون هناك جمهور، ولا إشعارات، ولا أحد يرى.. هناك تبدأ جلسة الجلد الحقيقي.. مقعد المحاسبة.. تنظر في نفسك كأنك غريبٌ عنها، تسألها: لماذا فعلتِ هذا؟ وتُجيب: لأنني كنت ضعيفة، أو خائفة، أو غبية.! ولا تُقاطعها، فأنت في جلدٍ محب، جلدٍ يواسي، لا يُقهر.

صفحة سادسة | جلد الرحمة لا القسوة

لا يجلد الذات مَن يكره نفسه، بل من يرحمها.
الجلد الكاره يُنبت الحقد.
أما الجلد الرحيم، فيُثمر نضجًا. الجلد الرحيم يقول لك:
أخطأت، لكنك أفضل من هذا. قُم واغسل هذا العار بعملٍ خير، بكلمة صدق، باعتذار صادق. الجلد الرحيم لا يسجنك، بل يحررك.

صفحة سابعة | كيف أُغرقني؟

أغرقني في محاسبة يومية،
في نظرة فاحصة لأثري على الآخرين:
هل سببت ألمًا؟
هل تركت جرحًا مفتوحًا في قلبٍ أحبتي؟
هل قلت ما لا يجب؟
هل سكتُّ حيث كان يجب أن أتكلم؟
كل هذه الأسئلة لا تُطرح لتجلدني فقط، بل لأعيد ترميم الإنسان فيّ. أنا أحتاج أن أغرق في مرآة نفسي، كي لا أباغَت في يوم الحساب الأكبر وأنا لا أعرف وجهي الحقيقي.
*اللهم لطفك* .

صفحة ثامنة | النجاة ليست في الهروب

الهروب من جلد الذات مثل تغطية الجرح بالقماش دون تطهيره.
السكوت عن الخطأ ليس حكمة. التحايل على النفس ليس تسامحًا. كل ما لم تُحاسب نفسك عليه اليوم، سوف يُحاسبك عليه ضميرك غدًا، بصوتٍ أعلى وأقسى. النجاة ليست في أن تنسى، بل أن تُصلح.
وأنا متعبد بالإصلاح

صفحة تاسعة | ليس كل غرقٍ موتًا

أنا محتاج أن أغرق..
لأنني إن لم أغرق في عمقي، سأبقى سطحيًا، عائمًا، هشًا، بلا جذور.. الغرق في النفس لا يميت، بل يبعث من جديد. إنه عملية موتٍ صغيرة.. في سبيل ولادةٍ أعظم.

صفحة عاشرة | وفي النهاية..

الجلد النبيل لا يُحدِث تشوّهًا، بل يكشف الجمال، هو يشبه نزع الصدأ عن سيفٍ عتيق.. أنت السيف.. والجلد هو ما يُعيدك بريقًا وحِدة. وأنا.. أنا محتاج أن أغرق،
كي أصعد.

ختام الكتاب: دعاء الغارقين في الرحمة
اللهم لا تجعلني من الذين يرضون بالقشور، ولا من الذين يهربون من أنفسهم، اجعلني ممن يجلد ذاته رحمة، لا قسوة، وممن يُراجع نفسه لا ليُذلها، بل ليزكّيها.

اللهم إن كنتَ كتبتَ لي أن أُحاسب نفسي قبل أن أُحاسَب، فأعني على ذلك..
ولا تجعلني ممن يرى خطأه جميلًا، أو يبرر تقصيره، بل اجعلني من الذين يُطهرون أنفسهم بالغرق، حتى يصعدوا إلى نورك أنقياء.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights