المهرجانات : تُعيد تشكيل القيم وتهدد حماية القُصّر؟!!
الكاتبة والباحثة التربوية سالمة بنت هلال الراسبية – جنوب الشرقية
يُطرح في بعض الأدبيات الفكرية أن أولى مراحل إضعاف أي مجتمع تبدأ بما يُسمّى «التفكيك الأخلاقي»، أي إضعاف القيم المرجعية التي تضبط السلوك العام ، و إن هذه العملية لا تتم بصورة مفاجئة، بل تمتد على مدى 15 إلى 20 عاماً، أي ما يعادل جيلاً كاملاً، حتى تتغير المفاهيم تدريجياً وتترسخ أنماط جديدة بما يسمى (إعادة تشكيل القيم) ، وخلال تلك الفترة الزمنية يمر التفكك الأخلاقي بأربع مراحل وهي : تقديم سلوكيا غير مألوفة بشكل متكرر في الإعلام حتى تصبح عادية ، ثم يُعاد تعريف ما هو مقبول أو مرفوض ، ثم تقليص دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والقيم الدينية في التوجيه بما يسمى (إضعاف المرجعيات التقليدية) وأخيرا يتم ترسيخ منظومة جديدة تُقدَّم باعتبارها عنواناً للتقدم !!.
وتُعدّ المهرجانات ظاهرة اجتماعية وثقافية انتشرت في مختلف المجتمعات، وهي في أصلها مساحة للفرح والتعبير الفني والتلاقي الإنساني. تتعالى في كل موسم مهرجاني أصوات منتقدة، بعضها ينطلق من حرص صادق على المال العام وجودة البرمجة، وبعضها الآخر يختزل المهرجانات في صورة نمطية تُغفل أدوارها المتعددة..
المهرجانات ليست حفلات عابرة ولا ترفًا ثقافيًا، إنها منصات للتنمية المحلية، تُحرّك عجلة الاقتصاد عبر تنشيط السياحة، دعم الصناعات التقليدية، خلق فرص مؤقتة للشباب، وإعادة الاعتبار للفضاءات العمومية، وهي كذلك جسور للهوية تحفظ الذاكرة الجماعية وتُعرّف المجتمعات بموروثنا اللامادي في سياق معاصر يضمن الاستمرارية والتجديد
غير أنّ بعض الممارسات المصاحبة لها أثارت جدلاً واسعاً، خاصة عندما تتعارض مع القيم الأخلاقية والدينية للمجتمع، وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن جملة من الآثار السلبية التي قد تنتج عن بعض أشكال المهرجانات المعاصرة.
أولاً: التأثير على المنظومة القيمية والسعي لفرض أنماط ثقافية.
من أكثر الجوانب إثارة للقلق ما يحدث أحياناً من إشراك فتيات صغيرات في عروض رقص أمام جمهور مختلط من الرجال، في بيئات قد لا تراعي الضوابط الأخلاقية أو العمرية. هذا السلوك يطرح تساؤلات جدية حول حماية الطفولة وصون الكرامة الإنسانية وتهديد براءتهم على وسائل التواصل الاجتماعي مما يعرضهم للتنمر.
فالطفل بطبيعته يحتاج إلى بيئة آمنة تحمي براءته، وأي استغلال لصورته أو جسده في سياق استعراضي قد يؤثر سلباً على نموه النفسي والاجتماعي. كما أن تعويد الصغيرات على الظهور في أجواء لا تناسب أعمارهن قد يرسخ مفاهيم مغلوطة حول القبول الاجتماعي والقيمة الذاتية المرتبطة بالمظهر ..
ثانياً: نشر الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي
مع انتشار المنصات الرقمية، أصبحت أي فعالية قابلة للتصوير والنشر الفوري، وقد يؤدي نشر مقاطع لفتيات صغيرات يرقصن أو يشاركن في عروض مثيرة للجدل إلى تضخيم الأثر السلبي، حيث تنتشر هذه المواد خارج إطارها المحلي وتبقى محفوظة رقمياً لسنوات عديدة..
إن هذا الانتشار قد يعرض القاصرات للتنمر الإلكتروني أو الاستغلال أو التشهير، ويجعل من الصعب التحكم في مصير تلك المواد بعد نشرها، كما أن ثقافة “الترند” والسعي وراء المشاهدات قد تدفع بعض المنظمين أو أولياء الأمور إلى التغاضي عن العواقب طويلة المدى والتي لا يدركون مخاطرها إلا متأخرا بعد انتهاء مفعول الترندات الرقمية وتبقى الحقيقة هي الواقع الذي سيتعايشون معه لاحقا..
ثالثاً: قضية استغلال القُصّر
أثارت قضايا عالمية عديدة النقاش حول استغلال القُصّر في سياقات اجتماعية وترفيهية، ومن أبرز القضايا التي سلطت الضوء على خطورة استغلال الأطفال قضية Jeffrey Epstein، التي كشفت عن شبكات استغلال استهدفت فتيات قاصرات تحت غطاء النفوذ والمال، وعلى الرغم من أن تلك القضية لا ترتبط مباشرة بالمهرجانات، إلا أنها تُظهر كيف يمكن أن تتحول المساحات الاجتماعية غير المنضبطة إلى بيئات خطرة إذا غابت الرقابة والمساءلة وتهاون أولياء الأمور..
إن استحضار مثل هذه القضايا يذكّر بأهمية وضع أنظمة صارمة لحماية الأطفال، سواء في المهرجانات أو غيرها من الفعاليات العامة، لضمان عدم استغلالهم أو تعريضهم لمواقف تهدد سلامتهم.
ختاما
المهرجانات ليست شراً مطلقاً، فهي قد تحمل جوانب إيجابية ثقافية وسياحية واقتصادية. غير أن المشكلة تكمن في بعض الممارسات التي تمس القيم أو تعرض القُصّر لمخاطر أخلاقية ونفسية، إن حماية الأطفال وصون المنظومة القيمية يتطلبان وعياً مجتمعياً، وتشريعات واضحة، ورقابة فعالة، إضافة إلى دور الأسرة في التوجيه والمتابعة ، فالتوازن بين الانفتاح الثقافي والمحافظة على الثوابت هو التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمعات في عصر العولمة الرقمية.



