الحماية الاجتماعية لكبار السن مسؤولية مجتمعية مشتركة
خالد بن خليفة الشعيلي
في ظل التحولات السكانية التي يشهدها العالم، ومع تزايد متوسط الأعمار وتحسن جودة الرعاية الصحية تبرز قضية الحماية الاجتماعية لكبار السن بوصفها واحدة من أهم القضايا التي تتطلب اهتمامًا جادًا واستجابة شاملة. فالفئة العمرية التي كانت وما تزال تمثل ركيزة أساسية في بناء المجتمعات تستحق في مرحلة متقدمة من العمر أن تحاط بعناية تتناسب مع عطائها وأن تنال ما يكفل لها حياة كريمة وآمنة.
ولئن كانت الدولة بمؤسساتها هي المعني الأول بوضع السياسات والأنظمة التي تضمن رعاية كبار السن، فإن الحماية الاجتماعية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون تضافر الجهود على مختلف المستويات.
فالمسؤولية هنا جماعية تبدأ من نواة المجتمع ألا وهي الأسرة وتمتد إلى مؤسساته المدنية وقطاعه الخاص ووسائل إعلامه ومنظومته التعليمية، بل وحتى ثقافته الشعبية التي تحدد كيف يُنظر إلى الشيخوخة ودور المسنين.
في مجتمعاتنا العربية ومنها سلطنة عُمان لا تزال القيم الأصيلة مثل البرّ والاحترام والتقدير لكبار السن متجذرة، لكن تحديات العصر ومتطلبات الحياة الحديثة قد أضعفت من حضور هذه القيم في بعض البيئات، مما يستدعي تعزيزها بأنظمة داعمة ومؤسسات متخصصة.
إن وجود مظلة حماية اجتماعية قوية لا يعني فقط توفير معاش تقاعدي أو رعاية صحية مجانية، بل يعني بناء بيئة شاملة تراعي الجوانب النفسية والاجتماعية والمعيشية للمسن، وتضمن له شعورًا بالاندماج والاحترام لا العزلة أو التهميش.
وتتطلب هذه الحماية وجود تشريعات متقدمة تكفل لكبار السن حقوقهم، وتجرّم أي شكل من أشكال الإساءة أو الإهمال تجاههم، كما يجب أن تكون هناك خدمات صحية مخصصة لهذه الفئة يقوم عليها طواقم طبية مؤهلة في طب الشيخوخة، تُراعى فيها الخصوصية البدنية والنفسية للمرحلة العمرية المتقدمة.
وينبغي أن يمتد ذلك إلى تهيئة المرافق العامة والمساكن لتكون صديقة للمسنين، وتسهيل تنقلهم وتعاملاتهم اليومية بما يرسّخ شعورهم بالكرامة والاستقلالية.
وفي المقابل لا يمكن أن نغفل الدور الجوهري الذي تلعبه الأسرة فهي الحاضن الطبيعي والدرع الأول في رعاية كبار السن. لكن هذه المسؤولية قد تصبح ثقيلة على بعض الأسر خصوصًا تلك التي تواجه ظروفًا اقتصادية أو اجتماعية ضاغطة، وهنا يأتي دور الدولة في تقديم برامج دعم للأسر الراعية ومراكز نهارية للرعاية وخدمات ميدانية للرعاية المنزلية لتخفيف العبء وتمكين الأسرة من الاستمرار في أداء دورها.
ومن الزاوية المجتمعية الأوسع لابد من تمكين كبار السن من الاستمرار في العطاء والاستفادة من خبراتهم في مجالات مثل الاستشارة والإرشاد الأسري والتعليم والعمل التطوعي.
إن تهميش المسنين واعتبارهم عبئًا لا يليق بمكانتهم بل هو خسارة حقيقية للمجتمع الذي يُقصي إحدى أغنى شرائحه تجربةً ومعرفة.
وهنا تبرز الحاجة إلى تغيير الصورة النمطية السلبية عن الشيخوخة وتأكيد أن التقدم في العمر لا يعني نهاية الدور الاجتماعي أو الإنتاجي بل بداية مرحلة مختلفة من العطاء.
الإعلام والتعليم شريكان أساسيان في هذه المهمة إذ يمكن للإعلام أن يسهم في نشر ثقافة احترام كبار السن وتسليط الضوء على قصصهم الملهمة، في حين يمكن للمناهج الدراسية أن تُغرس في أذهان الأطفال مفاهيم التقدير والاهتمام للمسنين ليكبروا وهم يحملون هذا الوعي ويصبح جزءًا من هويتهم وسلوكهم.
إن الحماية الاجتماعية لكبار السن لا ينبغي أن تُفهم كمجرد خدمات تقدمها الدولة، بل هي مرآة تعكس إنسانية المجتمع ورقيه الحضاري. ففي اللحظة التي يشعر فيها المسن أنه غير مرئي أو أنه قد فقد مكانته نكون قد خسرنا أحد أهم معايير العدالة الاجتماعية.
وإذا كانت المجتمعات تُقاس برفاهية أفرادها فإن رفاهية كبار السن على وجه الخصوص يجب أن تكون إحدى المؤشرات الجوهرية لنجاح السياسات الوطنية وقوة الروابط الاجتماعية ومتانة القيم الثقافية.
وهكذا، فإن مسؤولية رعاية كبار السن وحمايتهم اجتماعيًا ليست ترفًا وليست خيارًا بل هي التزام أخلاقي وإنساني وواجب وطني ومؤشر صريح على مدى تماسكنا كمجتمع وقدرتنا على بناء حاضر كريم ومستقبل أكثر عدلًا.



