سلامٌ مع النفس في زمن الضجيج
محمد بن العبد مسن
في زمنٍ يعلو فيه ضجيج المقارنات، وتُقاس فيه القيمة بعدد الإعجابات ونوع السيارة، بات الرضا بالنفس عملة نادرة، لا يملكها إلا أولئك الذين أدركوا جوهر الحياة وسط زيف الصور. كم هو متعب أن تركض في سباقٍ لا خط نهاية له، تسابق ظلال الآخرين وتنهك روحك وأنت تقيس ذاتك بمقاييس ليست لك. لكن، تخيّل أن تقف فجأة، تنفض عنك غبار السعي الأعمى، وتنظر إلى نفسك كما هي، بلا زينة ولا أقنعة، وتقول في هدوء العالم الداخلي: أنا كافٍ كما أنا.
الرضا ليس استسلامًا، بل هو أعلى مراتب الوعي. أن ترضى عن نفسك لا يعني أن تطفئ جذوة الطموح، بل أن توقدها بحب، لا بخوف. أن تمد يدك إلى الحياة من باب الامتنان لا الحاجة، أن تمشي في طريقك وأنت تُدرك أنك لست مطالبًا بأن تكون نسخة من أحد. كم من مرة خنقنا أنفسنا بحبل المقارنة؟ كم من إنجاز صغير دفنّاه لأنه لا يبدو كافيًا في عيون غيرنا؟ وكم من لحظة هدوء ضيعناها ونحن نركض خلف وهم الكمال؟
الرضا الحقيقي لا يُمنح لك من أحد، بل تزرعه في داخلك، وتنموه بالرعاية، كأنك تهمس لنفسك كل صباح: “لقد فعلت ما بوسعي، وهذا جميل”. هو أن تُسامح ذاتك على ما مضى، وتحتضن ضعفك كما تحتفي بقوتك. أن تنظر في المرآة وترى إنسانًا يستحق الحياة لا لأنه أنجز الكثير، بل لأنه يحاول، ويسير، ويصمد رغم كل شيء.
ليس أجمل من أن تعيش بطمأنينة، أن تضحك من قلبك دون أن تخشى أن تكون أقل من غيرك، أن تعرف أن القيمة لا تصنعها الألقاب ولا المظاهر، بل تُولد من داخل روح تؤمن بذاتها. الشخص الراضي عن نفسه لا يسعى ليُثبت شيئًا لأحد، لأنه قد أثبت لنفسه أنه جدير، أنه كافٍ، أنه يستحق أن يكون محبوبًا دون شروط.
وقد يبدو الرضا كشيء بعيد المنال، لكنّه يبدأ بخطوة صغيرة: لحظة صدق مع النفس. أن تعترف أنك بشر، لك حق الخطأ، حق التعب، وحق الفرح حتى دون سبب واضح. فالحياة ليست سباقًا، بل رحلة… ومن الرائع أن تسير فيها وأنت تحمل سلامك معك.
وفي نهاية المطاف، لا شيء أثمن من أن تهمس لنفسك، وسط هذا العالم المزدحم، بكلمات بسيطة لكنها عميقة: “أنا كما أنا… وهذا كافٍ جدًا.”



