الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

حينَ تصبحُ النَّخلةُ سيرةَ حياةٍ

عائشة بنت حمد الوهيبية

‏جلستُ اليوم في ظلّ النّخلة التي غرسَتْها يدُ خالة فاطمة قبل سنواتٍ طويلة، فإذا بي لا أجلس تحت شجرةٍ عادية، بل تحت شاهدٍ حيٍّ على زمنٍ من العطاء النقي. تلامست أصابعي مع جذعها الخشن، فكأنما كنتُ أقرأ سطورًا منقوشةً بحروفٍ من نور، تحكي قصة امرأةٍ جعلت من حياتها وقفًا للآخرين.

‏هاجت بي الذكريات كأنّما كل ورقةٍ تسقط من أعاليها حكايةٌ لم تُحكَ بعد.. حكاياتٌ عن امرأةٍ كانت تملأ الفجرَ بضحكاتها قبل أن تملأ الموائدَ بأطايبها. عن أيادٍ بيضاءَ لا تعرف إلا العطاء، وقلبٍ واسعٍ كظلّ النخلة لا يردّ أحدًا.

‏تذكرتُ كيف كانت خالوه تستقبل الصباح قبل الجميع، وكأنّ لديها موعدًا مع الشمس قبل بزوغها. كانت تتحرّك في ساحة المدرسة وكأنها أمٌّ ترعى أسرتها الكبيرة، توزّع الابتسامات كما توزّع أرغفة الخبز الساخن.

‏أتذكر ذلك الصباح الباكر كيف كانت تنتظرنا وكأننا أولادها ، تفرش الأرضَ بالحب قبل أن تفرشها بالسفرة، وتجعل من لقمة العيش درسًا في الكرم.

( كلوا ، فهذا من رزق الله ) كانت تقول بينما عيناها تضحكان قبل شفتيها.

‏لم تكن خالوه مجرد عاملةٍ في المدرسة، بل كانت أمًّا ثانيةً لنا جميعًا ، تعرف من يحتاج إلى كلمة طيبة، ومن يحتاج إلى صمتٍ يحتضن همومه ، كم من مرة جلستُ إلى جانبها تحت هذه النخلة نفسها، فكان حديثها الدافئ كالشمس في أيام الشتاء.

‏اليوم، بينما كنتُ جالسةً في ذلك الظلّ الوارف، سمعتُ حفيف الأوراق كأنها تهمس باسمها. نظرتُ حولي فرأيتُ الطلبة يمرّون، وكأن الزمن قد تداخل على نفسه. هل تراهم يعرفون أن هذه النخلة كانت شاهدةً على أيامٍ من النقاء؟ أيامٍ لم يكن العطاء فيها يحتاج إلى شهاداتٍ أو تكريم، بل كان ينبع من القلب كما ينبع الماء من العين.

‏جلستُ طويلاً ، أتأمل كيف تحوّل الجذع الصغير الذي غرسته أياديها المباركة إلى شجرةٍ ضخمةٍ تظلل الأجيال. وكأنّها أرادت أن تعلّمنا درسًا أخيرًا : أنّ الإنسان لا يموت ما دام أثره باقيًا ، وما دامت أفعاله الطيبة تُثمرُ في حياة الآخرين .

‏لقد غادرتنا إلى دار البقاء، لكنّها تركت في الهمبار روحًا لا تزال حية. تركت في كل زاويةٍ من زوايا المدرسة ذكرى، وفي كل ركنٍ قصة. حتى الهواء هنا ما زال يحمل نفحاتٍ من عطرها، والجدران ما زالت تحفظ صدى ضحكتها.

‏لقد رحلت بجسدها، لكنّ عطرَ كفّيها ما زال عالقًا بجدران الهمبار ، ودفءَ روحها ما زال يُدفّئ الوقت. كم علّمتنا أن الإنسان لا يموت ما دام أثره يُنبِت في القلوب نخلاتٍ من الوفاء!

‏قبل أن أغادر، التقطتُ ورقةً ساقطةً من أغصانها العالية، ووضعتها بين صفحات دفتر ذكرياتي.

‏شعرتُ بوهجٍ دافئٍ ينتقل من راحة يدي إلى قلبي، وكأنّ الورقةَ تحملُ شيئًا من روحها التي لا تزال حيةً بيننا. ليست مجرد ورقة شجرة، بل شهادةٌ صامتةٌ على حبٍّ لم يعرف الحدود، وعهدٍ من العطاء لم ينكسر بغيابها.

‏يا لعبقرية القلب الذي يصنع من الأشياء البسيطة خلودًا .

‏تركت خالوه وراءها دربًا من الدفء، برهانًا أنّ العظمة ليست في الصخب، بل في صنع لقاءاتٍ تظلّ دافئةً حتى بعد أن يبرد الفنجان.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights