الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

طــــــــــواويس المناصـــب

هلال بن عبدالله العبري

في زمن تتسارع فيه وتيرة التحديات وتزداد فيه متطلبات التنمية والتطور، تبقى القاعدة الذهبية لنجاح أي مؤسسة أو دولة هي: “وضع الشخص المناسب في المكان المناسب”. إنها ليست مجرد مقولة متداولة؛ بل مبدأ إداري وتنموي أثبت فعاليته عبر التاريخ.

تسجل كثير من الدول المتقدمة قصص نجاحها بفضل اعتمادها على الكفاءة كمعيار أساسي لاختيار القيادات والمسؤولين. بالمقابل تعثرت دول أخرى في مسيرتها، وتأخرت عن ركب التقدم بسبب تغليب الولاءات على حساب الكفاءة والجدارة.
ففي إطار التوجهات الوطنية الطموحة التي تقودها سلطنة عُمان بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – جاءت تنفيذ رؤية عمان 2040 غير مقتصرةً على تطوير البنية التحتية أو تنويع مصادر الدخل؛ بل يتعداه إلى ترسيخ مفاهيم الشفافية والمساءلة وتعزيز دور المجتمع في صياغة المستقبل. وهذا يتطلب شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، ومجتمع مدني فاعل، إلى جانب تعزيز رأس المال البشري عبر التعليم والتدريب المستمر، وإتاحة الفرصة أمام المخرجات الوطنية المؤهلة لخدمة بلادهم، من خلال توفير الوظائف الملائمة.

وتسعى هذه الرؤية إلى تجاوز التحديات التقليدية، والانتقال إلى نموذج تنموي حديث يستند إلى الإبتكار والكفاءة في الأداء. ومن أجل تحقيق هذا التحول النوعي، تبرز الحاجة الماسة إلى كوادر قيادية مؤهلة، من مسؤولين ومؤسسات، يتمتعون بالكفاءة والتخصص والقدرة على إدارة المرحلة المقبلة.
فباختصار، الإصلاح الحقيقي يبدأ من اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب؛ ومن هنا تبدأ رحلة التقدم.
إن إسناد المهام لأشخاص غير مختصين، سواءً في مؤسسات الدولة أو القطاع الخاص؛ يؤدي إلى تآكل منظومة العمل، وتراجع في الأداء، وانخفاض في جودة الخدمات والقرارات.

ولعل أبرز مظاهر هذا الخلل وفي الوقت الذي أصبحت فيه الصورة أبلغ من الكلمة ، ظهــور ما يُعرف بـ”طــواويس المناصب” الذين يحرصون على الظهور الإعلامي والبهرجة الشكلية أكثر من اهتمامهم بجوهر العمل والنتائج الملموسة. أولئك الذين لا يطقون النقد ، و تغضبهم المطالبات بالحقوق ، و يحيطون أنفسهم بحاشية لا ترى فيهم إلا الكمال .

فلا يمكن لدولة أن تنهض ما لم يكن على رأس مؤسساتها أناس يؤمنون بالعمل لا المظاهر، و بالنتائج لا العناوين، وبخدمة المجتمع لا الترويج لأنفسهم. من خلال إنجازات مزيفة ، سراعان ما تنتهي بإنتهاء التصريحات الصحفية و انقضاء التغطية الإعلامية .
فالمواطن أصبح يريد أن يرى و يلتمس الفرق في جودة التعليم،و في جودة الخدمات الصحية، و في سرعة إنجاز المعاملات و سهولة الحصول على الخدمات الأساسية و تنوع و توفر فرص العمل وفي كفاءة المسؤولين الذين يديرون مؤسسات الدولة.
لقد آن الأوان لإعادة تعريف النجاح الإداري، بعيدًا عن عدسات التصوير و نشر التصاريح للإستهلاك الإعلامي و مقاطع منصات التواصل الإجتماعي . ما نحتاجه اليوم هم مسؤولون ميدانيون، ينزلون إلى الشارع، يراقبون ويُحاسبون، ويقيسون نتائج قراراتهم لا بحجم التفاعل الإعلامي، بل بأثرها على حياة المواطن.

وإلى تطوير نظام متكامل لتقييم أداء المؤسسات الحكومية كأحد المحاور الداعمة لتحقيق هذه الرؤية، يسمح بمساءلة و محاسبة المسؤولين ، و يستند إلى مؤشر رئيسي و أساسي ألا وهــو رضى المواطن من مستوى الخدمات المقدمة .

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights