الشراكة في التنمية العمرانية

محمود بن خلف بن ناصر العدوي
تعدّ التنميةُ العمرانيةُ إحدى أدواتِ تقييمِ تطورِ المجتمعاتِ منْ عدمه، كما تظهرُ مدى قدرةِ الدولِ على تنظيمِ وإدارةِ النموِ السكانيِ والتحولاتِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ المصاحبةِ لهذا النموِ؛ فالهدفُ الأساسيُ للتنميةِ العمرانيةِ هوَ تحسينُ نوعيةِ الحياةِ في المدنِ والمناطقِ الريفيةِ منْ خلالِ التخطيطِ الجيد، وتوفيرَ بنيةٍ تحتيةٍ متكاملة، وتوزيع متوازنٍ للأنشطةِ الاقتصاديةِ والخدميةِ بما يعودُ بقيةِ القطاعاتِ المهمةِ وبالأخصِ فيما يتعلقُ بجذبِ الاستثماراتِ في مجالِ الصناعيِ والتجاري، حيثُ تشملُ التنميةُ العمرانيةُ عدةَ مجالات، إنشاءٌ مدنٌ إسكانيةٌ مستدامة، استحداثُ مناطقَ صناعيةٍ وتجاريةٍ، إنشاءُ الطرقِ والمواصلات والمطارات، توصيل شبكات الاتصالات والكهرباء والمياه، إنشاءُ وتطويرُ المرافقِ العامة، معَ الحفاظِ على التوازنِ بينَ التوسعِ العمرانيِ وحمايةُ المواردِ الطبيعية، إضافةٌ إلى تحقيقِ العدالةِ في توزيعِ الخدماتِ والمساحاتِ بينَ مختلفِ شرائحِ المجتمع.
وفي هذا السياق تعرف (م. مخطط بثينة طلال قحطان) التنمية العمرانية
بأنها ” الارتقاء بالبيئة وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكن والعمل والخدمات المجتمعية وعناصر الاتصال وشبكات البنية الأساسية؛ وذلك في إطار محددات المكان وضوابط القيم الاجتماعية والثقافية والموارد المحدودة دون التصادم مع البيئة الطبيعية أو إهدار مواردها “.
وبطبيعة الحال قطاع التنمية العمرانية يواجه تحديات كثيرة منها ما يتعلق، بطبيعة وتضاريس المناطق، ومنها ما يتعلق بالتغيير المناخي، وبعض التصرفات البشرية اتجاه البيئة، ومن أبرز التحديات الذي يواجه هذا القطاع هو مدى توفر الموارد المالية، فهذا القطاع يتطلب موازنة مالية مرتفعة لتتمكن الحكومة من إقامة المشروعات العمرانية.
وفي ظل التوسع العمراني المتزايد الذي تشهده مناطق السلطنة وما يتطلبه هذا التوسع من وجود تنمية عمرانية، مثل إنشاء مرافق خدمات عامة كالحدائق والمنتزهات الصغيرة، استحداث مساحات خضراء كمتنفس، إنشاء ممشي صحي، بحيث تواكب الزيادة المطردة للمشاريع السكنية والصناعية والتجارية، ويخلق نوع من التوزان البيئي والنفسي للإنسان.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى فكرة وجود شراكة حقيقية وفعالة من قبل المؤسسات الخاصة وأصحاب العقارات والمَحَالّ التجارية في تبني إقامة مثل هذه المشاريع، حيث لا تقتصر فوائد هذه الشراكة في تحسين البيئة والمنطقة المحيطة بتلك العقارات والمَحَالّ التجارية فقط؛ بل ينعكس ذلك إيجابا في تعزيز وتنشيط الحركة التجارية؛ مما يرفع القيمة العقارية للعقارات، ويسهم كذلك في زيادة عدد الزوار ويشجعهم على البقاء لفترة أطول وهذا بدوره يرفع من نسبة الأرباح العائدة من المبيعات.
ويمكن تفعيل هذه الشراكة انطلاقًا من تعاون أصحاب العقارات والمَحَالّ التجارية والمؤسسات الخاصة لكل مخطط جغرافي؛ بحيث يتم تمويل إنشاء مشروع خدمي أو تحسين وتطوير المنقطة المحيطة بالعقارات والمَحَالّ التجارية عن طريق صندوق يتم تأسيسه لهذا الغرض، أو من خلال الشراكة مع الجهات الحكومية المختصة، بحيث يقوم الصندوق بدفع نسبة مالية معينة كمساهمة مجتمعية.
وهناك أنموذجات ناجحة في العديد من الدول، ففي مدينة الرياض السعودية مثلا أطلقت مشروعات ممشى وحدائق بالشراكة مع مستثمرين محليين نتج من هذه الشراكة:
– انتعاش تجاري
– الزيادة في مستوى رضا السكان
– أصبحت المناطق المهملة وجهات نابضة بالحياة تستقطب العديد من الزوار
وفي سلطنة عُمان هناك نموذج رائع يتمثل في حارة العقر بولاية نزوى، هذه الحارة التي تم تطويرها وتحسينها من قبل ملاك البيوت القديمة وتحويلها إلى مطاعم وكوفيات واستراحات بسيطة أصبحت وجهة سياحية للكثير من داخل وخارج السلطنة، مما انعكس إيجابا على النشاط التجاري والعقاري هناك، ويشكل هذا دخل إضافيا لأهالي المنطقة، وكما أنه تمكن من خلق فرص وظيفية لشباب نزوى.
ختاما؛ يحين يشعر سكان المنطقة، بأن منطقتهم تتطور وقد أصبحت منطقة جميلة نظيفة تتمتع بالتنظيم العمراني الجميل مع وجود بعض الخدمات العامة البسيطة، وذلك بفضل أصحاب العقارات والمحال التجارية والمؤسسات الخاصة؛ فإنهم يعاملنهم كجزءً من نسيجهم الاجتماعي، ويقومون بالتسويق بالإنابة عنهم؛ وهذا النوع من التسويق يتفوق على الإعلانات المدفوعة.



