الإثنين: 16 مارس 2026م - العدد رقم 2856
مقالات صحفية

حين يُرهقهم نورك، زد توهجًا

   خلف بن سليمان البحري

في دروب الحياة، يمضي الإنسان حاملًا أحلامه على كتفيه، يشق طريقه وسط العتمات، يلوّن أيامه بجهده وصبره، ويزرع بذور الأمل في تربة الأيام القاحلة.

يمضي، وهو يعلم أن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود، وأن النجاح لا يأتي صدفة، بل يولد من رحم التعب وسهر الليالي.

ومع كل خطوة جديدة نحو النور، تزداد المسافة بينه وبين أولئك الذين اكتفوا بالمراقبة. كلما ارتفعت روحه، كلما ضاقت بهم صدورهم. لا لأنهم يكرهون الخير في المطلق، ولكن لأن نور الآخرين يسلط الضوء على ظلمة التقاعس التي اعتادوا عليها، ويكشف فجوةً حاولوا جاهدين ألا يرونها.

لم يكن الساعي للنجاح يومًا معتديًا على أحد، ولا كان المتفوق متعاليًا بطبعه، بل كان ببساطة إنسانًا آمن أن للحياة وجهًا أجمل، وللجهد ثمرة أعذب.

لكن البعض، حين تعجز أيديهم عن الوصول، يلجؤون إلى محاولات يائسة لإطفاء نور غيرهم، وكأنهم بذلك يظنون أنهم سيستعيدون شيئًا مما فقدوه.

نمضي ونسمع الهمسات خلف ظهورنا، نشعر بثقل نظرات تختلط فيها الغيرة بالخذلان، نرى ابتسامات باهتة تحاول أن تخفي مرارة النفوس. نعرف جيدًا أن كل نجاح جديد قد يشعل في البعض مشاعر متناقضة؛ فرحًا زائفًا ظاهرًا، وحزنًا دفينًا لا يملكون التصريح به.

ومع ذلك، لا نتوقف. فالتقدم لا ينتظر مَن يثقلون خطاه بالشكوك، ولا يرتبك من مَن يرمونه بالكلمات العابرة. نحن نمضي بثقة، لا يلهينا ضجيج الصغائر، ولا تعثرنا أحجار الشك التي يلقونها خفية في الطريق.

كل خطوة نخطوها، هي شهادة حية على أننا اخترنا أن نحيا بحق، أن نُثبت أن الحياة لا تعطي شيئًا لمن جلس ينتظر، بل تهب كنوزها لمن سعى، ولو كان الطريق محفوفًا بالعقبات.

من يُرهقه نورك، ليس عدوًا لك، بل هو شاهد آخر على أنك تسير في الاتجاه الصحيح. فالنور الحقيقي لا يؤذي إلا العيون التي ألفت الظلام، ولا يزعج إلا القلوب التي هجرت سعيها وتعلقت بالتمني.

فلا تُطفئ نورك لأجلهم. لا تخفف من طموحك كي لا تزعج راحتهم. لا تكتم نجاحك ولا تُداريه تحت ستار التواضع المزيف. كن كما أنت: شعلة مضيئة، تسير بضيائك مهما ثقلت الظلال من حولك.

دعهم يتحدثون… دعهم يتحسرون… وواصل أنت رحلتك، شامخًا، مؤمنًا أن الله لا يخذل قلبًا اجتهد، ولا يضيع أثر يدٍ رفعت بالدعاء، وسعت بالكفاح.

حين يُرهقهم نورك، لا تطفئه… زد توهجًا. ازرع نورك في الأرض أينما حللت، واترك أثرك عطرًا في دروب من يأتي بعدك. فالحياة قصيرة، وأجمل ما فيها أن نعيشها ونحن نضيء الطريق لا ونحن نندب العتمة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights