الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

الهشاشة النفسية في عصر الفردانية والسطحية

د.طالب بن خليفة الهطالي

في قلب بيئة العمل، حيث تتقاطع الطموحات بالضغوط وتتنازع الأرواح بين الرغبة في الإنجاز والخوف من الإخفاق، تبرز ظاهرة حديثة العهد قديمة الأثر، وهي لا تشير إلى مجرد حساسية زائدة أو ضعف عابر، بل إلى حالة من الانكسار الداخلي العميق، تعرف بـ”الهشاشة النفسية”، حيث تتشظى ثقة الإنسان بنفسه أمام أول اختبار أو نقد أو إخفاق، وفي خضم هذا المشهد المتوتر تظهر تساؤلات ملحة: لماذا أصبحت بيئة العمل تنتج أفرادا أكثر هشاشة؟ ولماذا يتألم الموظف من كلمة، وينهار تحت ضغط التقييم، ويتحول الخطأ البسيط إلى مأساة وجودية؟

لقد اجتهد المفكر المصري “الدكتور إسماعيل عرفة” في تشريح هذه الظاهرة، مقترحا في كتابه “نظرية الهشاشة النفسية” أن السبب لا يكمن فقط في تركيبة الفرد العاطفية، بل في الثقافة المحيطة به، تلك التي تغذي شعورا دائما بالاستحقاق غير المشروط، وتجعل الإنسان يقيّم ذاته ومكانته وفق معايير سطحية وقابلة للانهيار، وحيث يرى الدكتور “عرفة” أن الفرد في زمننا الحاضر أصبح هشاً؛ لأنه نشأ في بيئة تمنحه الثناء دون بذل، وتغرس فيه تصوراً بأن العالم مدين له بالسعادة، وأن الحياة يجب أن تكون دائما مريحة، بلا صراعات ولا عقبات، وحين يقذف هذا الفرد في واقع العمل بكل ما فيه من تنافس وتقييم وأحياناً جفاء تتفكك قناعاته ويبدأ بالانهيار.

وفي بيئة العمل الحديثة، حيث تغيب الحدود بين الأداء المهني والهوية الشخصية، يتضاعف أثر الهشاشة النفسية، إذ لم يعد الموظف يرى نفسه مجرد شخص يؤدي وظيفة، بل يرى ذاته كلها معروضة للتقييم في كل لحظة: (مظهره، أسلوبه، فكره، وحتى طريقة جلوسه في الاجتماعات) ومع الانتشار المتزايد لثقافة الأداء الفوري وردود الفعل السريعة، يتعرض الموظف لتدفق لا ينقطع من التعليقات والتقييمات، بعضها علني وبعضها ضمني، ويكفي تعليق واحد سلبي في تقرير الأداء السنوي ليحدث شرخاً في النفس، أو ملاحظة غير موفقة من مدير أمام الزملاء لتزرع شكاً وجودياً في الكفاءة والجدارة.

إن المجتمع ذاته بما يبثه من رسائل ضمنية لا يقل مسؤولية عن بيئة العمل في تشكيل هذه الهشاشة، فحين يُربى الجيل الجديد على أن النجاح يعني الظهور، وأن القيمة تقاس بعدد المتابعين أو حجم الراتب أو اللقب الوظيفي، فإن كل ما عدا ذلك يعتبر فشلاً حتى لو كان حقيقياً ومجدياً وذو أثر بعيد المدى، فهذا الضغط الاجتماعي يجبر الأفراد على ارتداء أقنعة المثالية، وعلى إخفاء آلامهم وضعفهم خشية أن يوصموا بالضعف أو يقصوا من سباق الامتياز، وهكذا تتشكل هوية زائفة تلمع من الخارج لكنها هشة من الداخل وتنهار بسرعة أمام العثرات.

وفي ضوء هذه الثقافة، لا يبدو غريباً أن نشهد في بعض المؤسسات تزايداً في معدلات التوتر والقلق والانطواء وحتى الاستقالات المفاجئة التي لا تبررها معطيات العمل الظاهرة، فقد يعود ذلك إلى أن الموظف الهش نفسياً لا يملك أدوات التأقلم ولا يتصور أن الإخفاق جزء طبيعي من التجربة البشرية التي تقوده إلى النجاح؛ بل يرى ذلك كصفعة على وجه الكرامة الشخصية، في حين يغيب عن المؤسسة نظام الدعم النفسي أو ثقافة إنسانية تقدر الشخص قبل المنجز؛ وهنا تتحول الضغوط اليومية إلى تراكمات مرضية قد تنفجر في شكل انهيارات عصبية أو عدوان صامت تجاه الزملاء أو الذات.

ولا تقتصر الظاهرة على الأفراد في بداية مسيرتهم المهنية، بل تمتد إلى المديرين أنفسهم؛ فالهشاشة النفسية لا تميز بين المناصب، بل قد تكون أشد قسوة عند من يخشون فقدان السلطة أو احترام الفريق، ويظهر ذلك في سلوكيات التحكم المفرط، أو في رفض تقبل النقد، أو في الانغلاق على الذات، وهؤلاء رغم مظهر القوة هم في الحقيقة أكثر عرضة للانكسار، لأن صورتهم عن أنفسهم مبنية على وهم السيطرة وليس على يقين النضج الداخلي. والحل لا يكمن في المزيد من الدورات التدريبية حول إدارة الوقت أو رفع الكفاءة، بل في العودة إلى تأسيس بيئات عمل إنسانية تُعيد الاعتبار لمفهوم “القوة النفسية”، لا بوصفها قسوة أو برودا، بل بصفتها القدرة على التحمل والتكيف والتعافي بعد السقوط، فالمؤسسات التي تزرع في موظفيها ثقافة قبول الفشل كجزء من النجاح، وتكافئ الصدق الداخلي لا التظاهر الخارجي، وتفتح قنوات دعم نفسي حقيقية، هي المؤسسات التي تنتج أفرادا أكثر صلابة وطموح وأقل هشاشة، وأكثر قدرة على الابتكار والبقاء.

ولا يفوتني أن المجتمع يحتاج إلى مراجعة شاملة لخطابه حول النجاح والجدارة؛ فلا يمكن بناء أجيال قوية في بيئة تقدّس المظهر وتحتقر العمق أو تساوي بين الغنى والتفوق، لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للقيم التي تصنع إنساناً متماسكا: (الصبر، والصدق، والنية الطيبة، والعمل بجدارة ومسؤولية)، تلك القيم التي لا تقاس بالدرجات ولا تعرض على الشاشات؛ لكنها تصنع الفرق في مواجهة الحياة. وفي ختام هذا التأمل المتواضع، يمكن القول إن الهشاشة النفسية ليست حتماً قدرياً؛ بل هي نتيجة لثقافة متراكمة وسلوكيات متكررة يمكن تعديلها بإرادة مجتمعية ومؤسسية جادة، وعلينا أن نعترف بأن البشر ليسوا آلات إنتاج، قدر ما هم كيانات روحية وعاطفية تحتاج إلى الاعتراف والفهم والرحمة، وإذا أردنا حقاً بناء بيئات عمل مزدهرة ومجتمعات متماسكة فعلينا أن نبدأ من هنا: من الإنسان في ضعفه لا في مثاليته، ومن الحقيقة لا من القناع.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights