السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

فاقرأوا ما تيسر منه: وصية لا يعذر فيها أحد .. تأملات في سورة المزمل

سليمان بن حمد العامري

حين أتأمل في قول الله تعالى:

﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ﴾

أجد أن الله لا يُسقط واجب القرب من القرآن عن أحد، لا عن مريض، ولا مجاهد، ولا عامل يضرب في الأرض. بل في طي هذا التوجيه الرباني دعوة رفيقة، لكن ثابتة، بأن لا ينقطع أحد عن كتاب الله، مهما كانت ظروفه.

فالآية ليست إعفاءً من القراءة، بل توجيه إلى الاستمرار في الوصل، بما تيسر، دون مشقة أو كلفة فوق الطاقة. وكأن الله يخاطبك:

لا تترك القرآن، اقرأ ولو قليلاً، لا تحرم روحك غذاءها.

ثم حين أرجع ببصري إلى صدر الآية:

﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾

أشعر أن الله يشير إلى سر عظيم: أن القرآن لا يمكن أن يحصى علمه ولا يحد فهمه. فالمؤمن أو غير المسلم، مهما قرأ، ومهما تدبر، ومهما تأمل وفسر، فلن يُدرك كل ما في القرآن من علوم ومعجزات وأنوار.

ولكن مع هذا، لا يعذر أحد بتركه، بل يؤمر أن يقرأ منه ما تيسر، فإن فيه الكفاية، وفيه الهداية، وهو ملاذه ومرشده في الدنيا والآخرة.

ثم ما أجمل أن يجيء بعد ذلك التذكير بالصلاة والزكاة، كأنما القرآن هو أول الطريق، به تفتح القلوب وتلين، ثم تقام الشعائر، وتتعمق صلة العبد بربه في السر والعلن:

﴿وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا﴾

ثم يُختم كل ذلك بوعدٍ عظيم:

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍۢ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًۭا وَأَعْظَمَ أَجْرًۭا﴾

وفي هذا دلالة واضحة على أن حقك محفوظ عند الله لا ينسى، وأن كل خير تبذله، وكل عمل تعمله لله، فإنك ستجده أمامك يوم القيامة، وسيجزيك الله عنه في الدنيا والآخرة.

كما قال تعالى:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾

وقال أيضًا:

﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ﴾

ثم تأتي الخاتمة المباركة:

﴿وَٱسْتَغْفِرُوا ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾

لمن قصر أو نسي أو فرط، لا يغلق الباب، بل يفتح له أوسع الأبواب. فمهما قصرت، عد إلى ربك، واستغفر، فهو الغفور الرحيم.

واليوم، بعد تأملي في بعض الآيات الكريمة، عرفت يقينًا أنه لا عذر لأحد في ترك القرآن، إلا من عذره الله بشرعٍ ظاهر بين، كما أفتى بذلك جمع من مشايخنا الأجلاء.

فمن وجد له العذر في الشرع فله حكمه، أما القادر، فلا حجة له في الهجر. اقرأ، ولو قليلاً، فإنه مرشدك وملاذك في الدنيا والآخرة.

وإذا كان في هذا التأمل ما وافق الحق، فذاك من فضل الله وحده والحمد لله رب العالمين.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights