الجمعة: 13 مارس 2026م - العدد رقم 2853
مقالات صحفية

هجرت قلمي.. ولكن…

خلفان بن ناصر الرواحي

تكاثرت المشاغل وقلّت الهمة…!
لقد تساءل بعض القراء المهتمين بمتابعة ما نكتب وننشره عن أسباب توقف النشاط والكتابة عندنا؛ وإن دل ذلك على شيء فإنه بلا شك يدل على حسن ظنهم بنا، وكرمهم العالي الذي يتفضلون به علينا…

لقد أخذت أتساءل في نفسي؛ ما الذي يجب أن نفعله لنبرر العذر الحقيقي الذي هو مقنع لأنفسنا وللآخرين؟! فهل نحن بحاجة إلى المراجعة أو تهذيب النفس لتنتقي المواضيع وترتيب أولوياتنا بشكل أفضل وأكثر فائدة وأسهل تنظيما؟! أو أننا بحاجة إلى توقفٍ لاستعادة الثقة بالنفس والعمل على تحقيق أهدافها المرجوة وفق معايير محددة لتعطينا فسحةً معنوية وعالية وواضحة وأكثر إيجابية وواقعيّة على حساب مشاغل الحياة اليومية؟!، أو أننا نستسلم للواقع الذي نعيشه اليوم ونواجهه من ردة فعل بعض الأشخاص الذين يعيشون في عالم آخر غير عالم احترام أصحاب القلم؟!

تساؤلات كثيرة ومتنوعة تمر علينا.. ربما لا يتسع المجال لنطرحها على بساط الصفحات الناصعة البياض؛ فربما تكون غير مهمة بالنسبة للقارئ ولا يمكن تقبلها إلا من قلّة، وربما قد تكون مجرد محاولة للتبرير أو محاولة تغيير الواقع الذي نعيشه…

نعم، قد تأتينا في بعض الأحيان فكرة هجر الكتابة سواء على الورق أو على أي وسيلة أخرى، ونرغب للتفرغ التام للقراءة والتأمل، والانشغال بأي عمل أو مهمة تشغلني عن الكتابة، وتأخذني نفسي في الإبحار نحو الفضاء للتساؤلات الكثيرة. ومن تلك التساؤلات ما يشعرني أنه يلامس الواقع الذي نلمسه، فيأتي في مقدمتها ما جدوى أن نكتب ولا نرى تأثير ذلك في الناس والمجتمع؟!. هل فعلا فقدت الكتابة قيمتها وتعكرت أذواق الناس، بعد أن تدخلت وسائل التواصل الاجتماعي وملهيات العصر؟!

نعم، ينتابني شعور غريب بعض الأحيان، وأشعر بالإحباط الشديد عندما يتم تهميش بعضهم ما نكتب من مواضيع، وأحيانا أشعر بالكآبة وتتداعى من حولي الوساوس، والعمر يمر بنا ويتساقط في غياهب الزمن، ولا نجد من يفهمنا غير قلة من الناس المدركين لقيمة القلم؛ فمن الواضح بأن بعضهم لا يفهمون إلا الكتابة عمّا يتصل بهم من قريب أو من بعيد، والتغني بإنجازاتهم أو أفكارهم الشخصيّة، حتى التفاعل يتفننون فيه من تعليقات قد تكون سلبية أو غير متوقعة أو غير منطقية، وربما ما يكتبه غيرهم سيتعرض للانتقاد وربما تسفيههم، وقد يكونون سببا في أن يعرقلوا سيرة المبدعين وأصحاب الفكر والقلم بتلك التصرفات!

ولكننا، بالرغم من قوة هذه الأفكار الإحباطية ومنطقها؛ فإنها تتلاشى عندنا عندما نتذكر ثبات الصخرة التي تنحتها عوامل التعرية، وعندما نتذكر رسو الجبال رغم قوة الرياح العاتية، وكذلك ما زلت أتذكر قصة جميلة قرأتها ذات مرة عن امرأة عندما تضيق بها الحياة؛ كانت تلجأ إلى قطعة قماش، وتمسك الإبرة، وتجعل في عينها خيط حرير، وتبدأ بالتطريز، لتنتهي إلى قطع قماش عليها أبدع الأشكال، ثم تجمع ما طرزته من قطع لتكوّن ثوبًا زاهي الألوان، ومتقن الحياكة ورائع الجمال. كانت تمضي في التطريز غير مكترثة بوفرة الموضات الحديثة التي كانت تتوفر في الأسواق، وغير ملتفتة لما كانت تقوله بعض النساء من حولها من انتقاد، ولم تترك التطريز رغم قلة المشترين منها.

عندما تذكرت تلك المواقف وقصة التطريز قررت أن أعود إلى القلم والورق، أرى أن الكتابة هي نوع من التطريز المزهر والمتحدث بحروف المعاني، وأرى أن القلم مرادف لعمل الإبرة، وأن خيط الحرير مرادف لجريان الحبر، وأن القماش مرادف للورق الناصع.

لقد تيقنت أننا حين نكتب كأننا نقوم بالتطريز في أي لحظة على الورق أو في أي وسيلة أخرى حتى وإن كان ذلك التطريز غير قابل للنظر إليه في الواقع؛ فإنه من وجهة نظرنا يعد حاضرا في الكلمات التي تدل على جمال المعاني وجودة الشيء المكتوب الذي يتقن فك شفرة النص فيه أصحاب الذوق الفني والعقل الواعي، وبذلك فإن الكتابة هي قريبة من معنى التطريز على القماش، والتي فيها ننثر جمال الألوان، ونرسم الأشكال، ونبعث ما في نفوسنا وعقولنا من عواطف وأفكار مختلفة لتلامس من يستطيع فهم ذلك الإبداع الفني المتولد من أعماق النفس للتعبير عما يدور من أفكار.

فلهذا؛ سوف أمضي في الكتابة بصبر وأناة، وألا أهتم بما يحيط بنا من أفكار وتساؤلات سوداويّة، ولا نرى ما تحوكه الألسنة حول الكتابة وجدواها هو عثرة حقيقية للتوقف عن الكتابة، وسوف نغوص في أعماق البحور وفيما توفره الكتابة من لذة عقلية، وعلينا الاستغناء والابتعاد عما في المجتمع من تفاهات ومفاسد قد تشغلنا أو تعرقلنا عن الكتابة.

لقد تعلمت من الصبر ودروس الحياة أن الكتابة هي الوسيلة الناجعة لمعايشة الحياة والناس، وتحقيق المراد، وهذا هو السبيل الأمثل لتحقيق سبيل النجاح والسعادة النفسية لكل كاتب.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights