النفس رفيقة الإنسان لا عدوه : تأمل

سليمان بن حمد العامري
قبل أن نبدأ هذا التأمل، من المهم توضيح مسألة دقيقة قد ترد في أذهان البعض عند قراءة قوله تعالى: “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي” [الحجر: 29]. فقد يتساءل البعض: هل تعني هذه الآية أن الروح جزء من ذات الله؟ والجواب: لا، أبدًا. فالله سبحانه وتعالى منزه عن التجزئة والحلول والتشابه مع خلقه. و”روحي” هنا معناها روح مخلوقة مضافة إلى الله إضافة تشريف، كما نقول “بيت الله” أو “عبد الله”، أي مخلوقات نُسبت إلى الله تكريمًا، لا لأنها جزء منه. هذه قاعدة مهمة حتى لا يقع التأمل في خطأ عقدي دون قصد.
أعجب من النظرة القاسية التي تُرمى بها النفس البشرية، وكأنها أصل البلاء ومنبع الفساد. وإذا تأملنا في الآيات الكريمة، نجد أن أول نفس لهذا الكائن البشري جاءت من نفخة مكرمة من عند الله. فكيف يمكن لنفخة إلهية أن تخلق شيئًا دنيئًا في أصله؟ النفس خُلقت بنور، لا بظلمة. وقد أكرمها الله بقابلية التأمل والتصحيح والعودة، فقال: “وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ” [القيامة: 2]، وهذا قسم يرفع من شأنها لا يحطّ منها.
النفس، كما أراها، ليست عدو الإنسان، بل رفيقته في الطريق، تحتاج إلى الحارس لا إلى الاتهام، هي مأهولة من الداخل، لا فارغة كما يُظن، يسكنها اللوم حين الخطأ، وتنبض بصوت الفطرة كلما اقتربت من الهاوية، ولكن النفس، إذا تُركت دون تربية ومجاهدة، تصبح أرضًا خصبة لتسلل الشيطان، لا لأنها شريرة، بل لأنها تتأثر بمن يسيطر عليها، قال الله: “إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي” [يوسف: 53]، فجعلها أمارة، أي قابلة لذلك، لا أن هذا هو أصلها، وعلق الانحراف على غياب الرحمة، لا على أصل الخلق.
الشيطان العدو الحقيقي، وهذه الحقيقة واضحة في قوله تعالى: “إِن الشيطان لكم عَدُوٌّ” [فاطر: 6]. ولم يرد في القرآن أن النفس عدو، وإنما الذي يزين ويغوي ويلبس القبيح ثوب الجمال هو الشيطان، كما في قوله: “وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ” [الأنفال: 48]. النفس قد تميل، لكنها لا تخطط، قد تغفل، لكنها لا تضل، إنها وسط بين الخير والشر، تتأثر بما يُلقى فيها.
وقد ورد في الحديث أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا يوضح مدى سهولة التسلل لا أن النفس خلق شيطاني. والدم هنا رمز للانتشار، لا أن الشيطان يسكن النفس لأنها منه، بل لأنه يستغل غفلتها ليتسلل. فلو أن الإنسان كان دائم الذكر، لما وجد الشيطان إليه سبيلاً. النفس إذًا ليست المجرى، بل تصبح المسكن إذا أُهملت، وتتحول إلى محراب إذا أُحييت.
النفس اللوامة، كما وصفها القرآن، هي أشبه بالحارس الداخلي، لا تسكت عن الخطأ، ولا تطمئن للزلل. بل تعاتب وتقلق وتؤنب وتدعو إلى التوبة. النفس في أصلها تميل للطهارة، ولا تستقر في أوحال المعصية، بل تضطرب وتبحث عن مخرج. ومن هنا تأتي المجاهدة، التي تؤهل النفس لتبلغ مرتبة “النفس المطمئنة”، كما قال الله: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ” [الفجر: 27]. فهي لم تخلق مطمئنة، بل صارت كذلك بالذكر، والصبر، والتزكية.
إن النفس الأمارة بالسوء لا تتحول إلى هذا الحال إلا عندما يستولي الشيطان عليها، ويغريها بالشهوة ويزين لها الخطأ. والشيطان لا يريد النفس بحد ذاتها، بل يريد الوصول إليها، وهذا سر مجراه في الدم؛ يريد التسلل إلى النفس، فإذا وجدت المجاهدة والمراقبة، أُغلق عليه الباب.
ولهذا، فإن النفس خلقت طاهرة، لأنها مرتبطة في أصلها بنفخة مكرّمة من الله، ولو لم يُخلق الشيطان، لكانت النفس في طريق الطهارة دوماً، لا تعرف معصية، والدليل أن قابيل ندم بعد القتل، ولامته نفسه، فلو كانت النفس شريرة من الأصل، لما أحس بتأنيب الضمير.
لذلك أقول: الله خلق النفس لوامة، أي تذكر وتذكر، وتنتقد وتحث، وتحاول أن تعيد الإنسان إلى أصله الطاهر، وكما أسلفنا سابقا ولتأكيد لمن يقول إن النفس هي العدو الأول للإنسان، لا يستند إلى نص شرعي صريح، لا من قرآن ولا سنة، بل القرآن صرح بأن العدو هو الشيطان، أما النفس، فهي رفيقة تحتاج إلى تزكية، لا إلى إدانة.
وإذا كان في هذا التأمل ما وافق الحق، فذاك من فضل الله، وإن كان فيه خطأ، فليس من النفس الطاهرة، بل من تقصير في مجاهدتها، ومن الشيطان الذي يوسوس إذا ترك له الباب مفتوحًا.



