الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

تَأَمُّلَاتٌ بَيْنَ دَهَالِيزِ اَلْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ

إسماعيل بن مسعود الراشدي
@ismail_alrashdi1979

عندما تتسارع الأحداث بوتيرة مخيفة، ندرك حينها أن الوقت هو أثمن مورد لا يمكن استرجاعه، فهو ينسل رويدا رويدا ثم ينفلت من أيدينا بسرعة خاطفة. والمفارقة العجيبة أنه في مرحلة ما، كان الوقت متاحًا للجميع، لكنه يصبح نفيسًا وعزيزا عندما ينفد. فالعمر هو الوقت، والحياة بمجملها تتشكل من الوقت. فكيف لشيء غير ملموس، يمر علينا مرور السحاب، أن يتحول إلى سر إكسير الحياة؟!

في ريعان الشباب، نتشبث بالحياة وكأننا خالدون، ونعتبر وفاة الآخرين أمرًا طبيعيًا يحدث في موعده المحتوم، فنحزن على من غادرنا بدرجات متفاوتة، ثم ننساه تدريجيًا بعد دموع غزيرة أو حزن عابر.
لكننا لا نستيقن أبدا أننا في عداد الانتظار بين قائمة طويلة من الفانيين إلا عند زيارة عزرائيل، الذي لا يحب الانتظار.

يقول العالم والمفكر د. مصطفى محمود: “إن كلًا منا يحمل جثته على كتفيه في كل لحظة”. فالموت كحقيقة يتجلى في كل حيثيات الحياة، ويحدث ذلك كمراحل لا نشعر بها ولكنها كحقيقة هي موت جزئي. فإفراز العرق، وسقوط الشعر من الإنسان، وتساقط الأوراق من الأشجار، كلها أمثلة على ذلك. وهكذا الأمر لجميع التفاعلات الكيميائية في أجسامنا وجميع الكائنات الحية، فهي بين حرارة الحياة وبرودة الموت. بل وقد شبه العلماء الموت بحقيقة الحياة، لقدرة الموت على إظهار حقائق معقدة عن الحياة. فالحياة كما الموت، كالبداية تعقبها نهاية.

النوم بالنسبة للكائنات الحية، بما في ذلك الإنسان، هو تمثيل صارخ للموت، وقد سُمّي بالموت الأصغر. وقد أشار الدكتور آنف الذكر بأننا حين ننام نتحول إلى شجرة؛ لأننا في النوم نصبح كجثة هامدة، غير أن وظائف كل أعضائنا تعمل بجدارة وباستمرار دون الحاجة إلى سيطرتنا، فالشجرة تبدو جامدة ظاهريًا، لكنها حية، تتنفس، وتتغذى، وتتكاثر، وهي واقفة كالجماد تمامًا. والأغرب من ذلك، أن معظم المبدعين تتهيأ لهم لحظات الإلهام والتأمل بين اليقظة والنوم، للخروج من إطار الزمان والمكان، للتحليق في عالم آخر غير موجود ماديًا، ولكنه مخلوق روحيًا على هيئة أفكار وتصاميم وأرقام ولوغاريتمات مبهمة إلا على صاحبها.

بحسب ما ذكر العلماء، نتكون تركيبًا من عنصر الكربون غير المستقر، الذي يعتبر سر التركيب، في حين نعوم في سائل غاية في التعقيد والشفافية وهو الماء، الذي يعتبر سر الحياة. ولما كنا ذوي تركيب معقد ومتطور بالنسبة للكائنات الحية، بداية من الكائنات وحيدة الخلية كالأميبا إلى أن نصل للإنسان الذي يتربع على قمة الهرم الكوني؛ لذا فقد كلفنا الله بالتخيير وألزمنا بالتسيير. فالإنسان -بطبيعة الحال- مخير فيما يعلم، ومسير فيما لا يعلم. فلقد أكل سيدنا آدم من الشجرة فكان مخيرًا في ذلك، وكان مخيرًا أيضًا في التوبة إلى الله ففعل، ولكنه كان مسيرًا تمامًا للهبوط إلى الأرض بكلمة رب العزة، ومن ذلك الوقت والبشر بين تسيير وتخيير.

“من التراب خلقنا وإلى التراب نصير” جملة تختصر كل مراحل الحياة المعقدة، ولكنها لا تُلغي ما بينها من تفاصيل لا تكاد تذكر لحظة الموت، فالموت هو الحقيقة الثابتة التي لا يختلف عليها حتى ألد الخصوم؛ ولأنها حقيقة، فالرضى هو مذهب العقلاء، والإيمان بالقضاء والقدر هو ديدن المؤمن بالله حق إيمانه.

الفراق المؤجل، المقترن بمرض أو إصابة مزمنة، أقل إيلامًا من الوداع المفاجئ الذي يفجع القلب ويفطره. ولما كان الوداع قصيرًا، فالجرح يظل دامياً ما دامت الذكريات التي تجمعك مع من وافته المنية طازجة رغم تعاقب السنوات. فلربما كان أو كانت أقرب إليك من قلبك الذي يسكنك، ولكنها الحياة ونعيمها الزائل، وبهرجها الخدّاع، لا تلبث أن تنكشف سحابتها تحت سطوة واقع الموت.

لا نزكي على الله أحدًا، ولكن وجود بعض الكرامات بعد الموت ثابت، وقد اختص الله بها أولياءه الصالحين. واسألوا التاريخ عن كرامات الشهداء في غزة التي امتزجت بالزعفران والمسك.

شهدت بنفسي بعد الدفن شهادة أحد المشايخ للمتوفى بصلاحه ودماثة أخلاقه، وأنه كان لا يترك فرضًا، وينافس الأخيار لأداء الأذان. كما رأيت في جنازة أخرى سربًا من الحمام يطير من قلب القبر قبيل وصول الجنازة. وهنا أذكر هذين الموقفين كوقائع لا استشهاد بالكرامات. قال تعالى: “وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا” (الإسراء: 14). وعلى كل حال، “فَإِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ”.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights