أمانة التاريخ ومسؤولية المستقبل
خالد بن محمد بن سالم المقبالي
تُعد الهوية الوطنية والمواطنة ركيزتين أساسيتين في بناء المجتمعات المتماسكة، إذ تشكل الأولى البُعد الثقافي والتاريخي الذي يُميز الأمة، بينما تمثل الثانية العلاقة التفاعلية بين المواطن والدولة، حيث تتكامل الحقوق مع الواجبات في إطار من الانتماء والولاء. في سلطنة عُمان، تتجسد هذه القيم بوضوح في مسيرة تاريخية حافلة بالإنجازات، حافظت فيها البلاد على خصوصيتها الثقافية وهويتها الراسخة، رغم التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي شهدها العالم.
إن الحديث عن الهوية العُمانية يستدعي الرجوع إلى أصولها التاريخية العميقة، التي تعود إلى ما قبل الميلاد، حين أسس مالك بن فهم الأزدي الدولة العُمانية بعد معارك سلوت، مُنهياً بذلك حقبة النفوذ الفارسي على المنطقة. لم يكن هذا الحدث مجرد انتصار عسكري، بل نقطة تحوّل أسست لاستقلالية القرار العُماني ورسّخت قيم السيادة الوطنية، التي استمرت عبر العصور. وقد انعكست هذه الروح الاستقلالية في قدرة العُمانيين على بناء دولة حضارية تواصلت مع العالم عبر التجارة البحرية الممتدة من شرق أفريقيا إلى الهند والصين، في الوقت الذي حافظت فيه على هويتها الثقافية والدينية بعيداً عن التأثيرات الخارجية التي تعرضت لها الكثير من الدول المجاورة.
التنوع الثقافي في عُمان يمثل بُعداً جوهرياً في تكوين الهوية الوطنية، حيث ساهمت الجغرافيا والتاريخ في تشكيل مزيج حضاري يعكس تعددية ثقافية غنية. يتجلى هذا التنوع في اللغات واللهجات المتداولة بين مختلف فئات المجتمع، حيث ما تزال بعض القبائل العُمانية تحتفظ بلغات قديمة إلى جانب العربية، مثل الشحية والمهرية والبلوشية، ما يعكس الامتداد العابر للحدود للهوية العُمانية. كما يظهر التنوع الثقافي بوضوح في الفنون الشعبية التي تُعد وسيلة حيوية لنقل الموروث التاريخي، إذ تتميز كل منطقة بأسلوبها الفني الخاص، بدءاً من الرزحة والعازي، وصولاً إلى الفنون الساحلية المستوحاة من البيئة البحرية. الأزياء التقليدية تُشكل أيضاً جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية، حيث تعكس الملابس العُمانية مزيجاً من التأثيرات التاريخية والتقاليد المحلية. يبرز هذا التراث في التصميمات الفريدة للدشداشة العُمانية المطرزة، والمصر الذي يرمز إلى الأصالة والوقار، إلى جانب اللباس النسائي الذي يُعد تعبيراً عن التنوع الإقليمي داخل السلطنة. هذه العناصر الثقافية ليست مجرد مظاهر شكلية، بل تعكس القيم الاجتماعية والهوية الوطنية التي حافظت عليها السلطنة رغم التطورات المتسارعة التي شهدها العالم في العقود الأخيرة.
إلى جانب البُعد الثقافي، تبرز المواطنة كعامل حاسم في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ الولاء للوطن. فالمواطنة في عُمان ليست امتيازاً يُمنح، بل مسؤولية تُمارس، وهي تتجاوز مفهوم الحقوق السياسية إلى الالتزام بالقيم المجتمعية، مثل احترام القانون، والحفاظ على البيئة، والمشاركة الفاعلة في التنمية الوطنية. لقد أدركت السلطنة منذ بدايات نهضتها الحديثة أن بناء الدولة لا يكتمل إلا بوجود مواطن واعٍ يدرك دوره في المجتمع، ولذلك كان التعليم أحد أهم الأدوات في غرس قيم المواطنة، عبر مناهج تُعزز الوعي التاريخي، وتُرسخ مبادئ العمل الجماعي، وتُشجع على الابتكار والمبادرة. ومن أبرز الجهود في هذا السياق، تطوير المناهج التعليمية التي تركز على الهوية والمواطنة، مثل كتاب “الهوية والمواطنة” المخصص للصف الثالث، والذي يستفيد منه أكثر من 150 ألف طالب، بهدف غرس القيم الوطنية منذ المراحل التعليمية المبكرة.
ومع دخول العالم عصر العولمة والرقمنة، برزت تحديات جديدة تتعلق بحماية الهوية الوطنية من التأثيرات الثقافية الخارجية، لا سيما في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في تسريع وتيرة التغيرات الاجتماعية. في هذا السياق، أصبح لوسائل الإعلام الوطنية، والمؤسسات الثقافية، والمنظومة التعليمية دوراً أساسياً في الحفاظ على الهوية العُمانية من خلال تعزيز المحتوى المحلي، وتنظيم الفعاليات الثقافية، ودعم المشاريع التي تُبرز التراث العُماني بأساليب تتماشى مع متطلبات العصر. لقد اتخذت السلطنة خطوات استباقية في هذا الجانب، من خلال إنشاء منصات رقمية تهدف إلى توثيق التراث وتقديمه بأساليب تفاعلية، فضلاً عن دعم الصناعات الإبداعية التي تدمج بين الحِرف التقليدية والتصميمات الحديثة وإطلاق خارطة الصناعات الثقافية والإبداعية، التي تهدف إلى تحديد وتنمية القطاعات الثقافية وتعزيز الاقتصاد الإبداعي، حيث بلغت نسبة مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي 3.2%، مما يعكس الدور المتزايد للصناعات الثقافية في التنمية المستدامة. كما يُعد مجمع عُمان الثقافي أحد المشاريع الطموحة التي تسهم في الحفاظ على التراث وتعزيز الفنون والآداب، حيث يجمع بين مرافق حديثة تدعم الابتكار الثقافي، ومؤسسات تُعنى بتوثيق الإرث الحضاري العُماني، مع توقعات بأن يستقطب أكثر من 500 ألف زائر سنوياً عند اكتماله.
وعلى مستوى دعم الثقافة والإبداع، أطلقت وزارة الثقافة والرياضة والشباب برامج ومبادرات تعزز الهوية الوطنية، منها برنامج دعم الصناعات الثقافية والإبداعية، الذي يهدف إلى تمكين المبدعين العُمانيين وتوفير بيئة حاضنة للإنتاج الثقافي، إضافة إلى مشروعات رقمية مثل مبادرة توثيق التراث العُماني رقمياً، التي تسعى إلى أرشفة الفنون التقليدية والحرف اليدوية باستخدام أحدث التقنيات الرقمية، مما يسهم في الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال القادمة بأسلوب حديث.
على المستوى القيادي، شكلت التوجيهات السامية للسلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- الأساس الذي بُنيت عليه دولة حديثة قادرة على تحقيق التوازن بين التقاليد والحداثة، وهو النهج الذي يواصل ترسيخه السلطان هيثم بن طارق، من خلال رؤية “عُمان 2040” حيث تحتل أولوية “المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية” مكانة مركزية ضمن الاستراتيجيات التنموية للدولة. فالرؤية لا تهدف فقط إلى تحقيق التنمية الاقتصادية، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز الشعور بالانتماء الوطني، وإرساء مفهوم المواطنة الفاعلة، من خلال برامج تُشرك الشباب في الحفاظ على الموروث الثقافي، وتمكينهم من استغلال الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة لخدمة الهوية الوطنية.وبينما تتجه عُمان نحو المستقبل، تبقى مسؤولية الحفاظ على الهوية والمواطنة مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود بين الأفراد والمؤسسات. فالمواطنة ليست مجرد شعور داخلي بالانتماء، بل هي التزام عملي يتجلى في احترام القوانين، والمساهمة في العمل التطوعي، وتعزيز الإنتاجية، والسعي نحو تحقيق الرؤية الوطنية. في هذا الإطار، تلعب الأسرة دوراً رئيسياً في تنشئة الأجيال الجديدة على القيم العُمانية، حيث تُشكل البيئة الأسرية الخط الأول في غرس مبادئ الهوية والمواطنة، وتعليم الأبناء أهمية الحفاظ على الإرث الثقافي والاعتزاز به.
عُمان اليوم ليست فقط دولة ذات تاريخ عريق، بل هي نموذج في كيفية بناء هوية وطنية متماسكة قادرة على الصمود في وجه التحديات العالمية. إنها أمة حافظت على لغتها وثقافتها وتراثها، في وقت اندثرت فيه الكثير من الهويات الوطنية تحت وطأة العولمة. هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة وعي وطني عميق بأهمية التوازن بين الأصالة والتطور. وبين أمانة التاريخ ومسؤولية المستقبل، يظل العُماني حاملاً لهذا الإرث العظيم، مستمراً في مسيرة البناء، ليُحقق لوطنه مزيداً من التقدم والازدهار، دون أن يتخلى عن هويته التي جعلت منه عبر العصور نموذجاً فريداً في الاعتزاز بالتراث والانفتاح على العالم.



