هُوِيَّتُنَا قَلْعَةٌ سِيَاجُهَا اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ
د. محمد بن محب الشامي
الْهُوِيَّةُ قَلْعَةٌ حِصْنُهَا الثَّقَافَةُ، وَسِيَاجُهَا اللُّغَةُ. فَاللُّغَةُ الْقَوْمِيَّةُ سِيَاجٌ يُحَافِظ عَلَى الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَتَحْتَمِي بِهَا الْهُوِيَّةُ الْعَرَبِيَّةُ وَتُعَبِّرُ عَنْهَا. فَاللُّغَةُ وَالْهُوِيَّةُ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَمَنْ يَقْرَأْ لُغَةً مِنَ اللُّغَاتِ فَكَأَنَّمَا يُقَلِّبُ صَفَحَاتِ تَارِيخِ وَأَمْجَادِ تِلْكَ الأُمَّةِ. فَاللُّغَةُ هِيَ التَّارِيخُ، هِيَ الْمَاضِي وَالْحَاضِرُ وَالْمُسْتَقْبَلُ، بَلْ هِيَ الْوُجُودُ؛ بِهَا تَوَاصَلَ الْإِنْسَانُ عَبْرَ تَارِيخِهِ الطَّوِيلِ.
وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ اللُّغَةَ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُ ثَقَافَةَ الشَّعْبِ إِلَى الْعَالَمِ، وَهِيَ الَّتِي تَنْقِلُهَا لِلْأَجْيَالِ الْمُتَعَاقِبَةِ. فَاللُّغَةُ –إِذًا– وُجُودُ الأُمَّةِ ذَاتُهُ، وَهِيَ الْهُوِيَّةُ الْوَطَنِيَّةُ، وَالْوَطَنُ الْحَيُّ الَّذِي يَسْكُنُ قَلْبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا. وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْفَيْلَسُوفُ الأَلْمَانِيُّ هِيدْغَر: «إِنَّ لُغَتِي هِيَ مَسْكَنِي، هِيَ مَوْطِنِي وَمُسْتَقَرِّي، هِيَ حُدُودُ عَالَمِي الْحَمِيمِ، وَمِنْ نَوَافِذِهَا وَمِنْ خِلَالِ عُيُونِهَا أَنْظُرُ إِلَى بَقِيَّةِ أَرْجَاءِ الْكَوْنِ».
إِذَا فَقَدَ الْإِنْسَانُ لُغَتَهُ فَقَدَ شَخْصِيَّتَهُ وَمِرْآةَ عَقْلِهِ، فَقَدَ هُوِيَّتَهُ وَحَضَارَتَهُ، فَقَدَ فِكْرَهُ وَثَقَافَتَهُ، وَإِنْ فَقَدَ فِكْرَهُ وَهُوِيَّتَهُ فَقَدَ إِنْسَانِيَّتَهُ.
سُؤَالٌ يَطْرَحُ نَفْسَهُ: مِنْ أَيْنَ تَأْتِي أَزْمَةُ اللُّغَةِ؟ إِنَّ أَزْمَتَنَا لَيْسَتْ أَزْمَةَ اللُّغَةِ ذَاتِهَا، بَلْ أَزْمَةُ التَّعَامُلِ مَعَهَا، وَكَأَنَّهَا تُعَانِي فِي عُقْرِ دَارِهَا مِنْ أَهْلِهَا.
وَمِنْ أَهَمِّ الْعَقَبَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ: وَسَائِلُ الْإِعْلَامِ الَّتِي تَسْتَعْمِلُ لُغَةً مُشَوَّهَةً فِي أَلْفَاظِهَا وَقَوَاعِدِهَا، فَتَهْدِمُ أُصُولَ هَذَا الْكِيَانِ، وَتُرْسِلُ إِلَى الْمُشَاهِدِ لُغَةً تَعِسَةً، وَتَصْنَعُ جِيلًا يَجْهَلُ لُغَتَهُ. وَكَذَلِكَ تَنْتَشِرُ الْأَخْطَاءُ النَّحْوِيَّةُ وَالأَلْفَاظُ الْعَامِّيَّةُ فِي الصُّحُفِ وَالْمَجَلَّاتِ.
وَنَجِدُ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ عَاجِزَةٌ عَنْ مُوَاكَبَةِ التَّقَدُّمِ، فَيُطَالِبُ بِاسْتِبْدَالِهَا بِلُغَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ بِالسَّيْرِ وَرَاءَ الْعَامِّيَّةِ، وَهِيَ دَعَوَاتٌ نُزِعَ بِهَا الْإِنْسَانُ الْعَرَبِيُّ مِنْ قَوْمِيَّتِهِ وَعُرُوبَتِهِ وَهُوِيَّتِهِ. فَقَدْ غَرَسْنَا فِي نُفُوسِ طَلَبَتِنَا أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ غَيْرُ قَادِرَةٍ عَلَى مُسَايَرَةِ رَكْبِ الْحَضَارَةِ، وَأَنَّ لَا بُدَّ مِنْ لِسَانٍ أَجْنَبِيٍّ، فَتَدَهْوَرَتْ قِيمَتُهَا.
وَأَيْضًا: أَدْخَلَتِ الْجَامِعَاتُ مُصْطَلَحَاتٍ أَجْنَبِيَّةً كَثِيرَةً، وَبَعْضُ الْمَوَادِّ تُدَرَّسُ بِاللُّغَةِ الأَجْنَبِيَّةِ، وَوَقَعَتِ الْفُصْحَى فِي قَلْبِ إِعْصَارِ الْعَوْلَمَةِ اللُّغَوِيَّةِ، وَلَوْلَا عَوَامِلُ قُوَّتِهَا لَانْدَثَرَتْ.
فَهَدَفُ فَسَادِ اللِّسَانِ هُوَ ضَيَاعُ الْهُوِيَّةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ التَّشْكِيكُ فِي اللُّغَةِ مَدْخَلًا لِلتَّشْكِيكِ فِي الْهُوِيَّةِ.
وَمِنْ أَهَمِّ الْحُلُولِ: أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ رُقِيَّ لُغَةٍ هُوَ رُقِيُّ أَصْحَابِهَا، وَأَنَّ اِنْحِطَاطَهَا مِنْ اِنْحِطَاطِهِمْ. لِذَلِكَ يَجِبُ وَضْعُ تَخْطِيطٍ لُغَوِيٍّ مَدْرُوسٍ لِتَمْكِينِ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَجَالَاتِ التَّعْلِيمِ وَالْبَحْثِ، وَالِاهْتِمَامُ بِالْمَنَاهِجِ وَبِاللُّغَةِ الشَّفَوِيَّةِ، فَلَا تَمَيُّزَ إِنْ لَمْ تَتَّحِدْ لُغَةُ التَّعْلِيمِ مَعَ لُغَةِ التَّفْكِيرِ.
إِنَّ الْعِلْمَ إِذَا أَخَذْتَهُ بِلُغَتِكَ أَخَذْتَهُ، وَإِذَا أَخَذْتَهُ بِلُغَةِ غَيْرِكَ أَخَذَكَ.
وَتَبْدَأُ الدَّعْوَةُ لِعَوْدَةِ الْهُوِيَّةِ بِلِلِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَإِحْيَائِهِ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا؛ فَلَمْ تُحْقِّقْ أُمَّةٌ نَهْضَتَهَا بِلُغَةِ غَيْرِهَا.
يَجِبُ أَنْ نُنَمِّيَ فِي أَطْفَالِنَا حُبَّ لُغَتِهِمْ وَالِانْتِمَاءَ إِلَيْهَا، فَمَنْ يَحْمِلُ هُوِيَّةً مُرَكَّبَةً يَجِدُ نَفْسَهُ مُهَمَّشًا.
أَفَنَعْجَزُ عَنْ وَضْعِ لُغَتِنَا فِي مَكَانِهَا الْمُرْتَفِعِ؟ أَفَنَعْجَزُ عَنْهَا فِي عَصْرِ الْكَهْرَبَاءِ وَالْفَضَاءِ؟ إِنَّ أَجْدَادَنَا تَرْجَمُوا وَعَرَّبُوا وَنَحَتُوا، وَطَاوَعَتْهُمُ اللُّغَةُ طَوَاعِيَةً عَجِيبَةً، فَاللُّغَةُ الَّتِي حَوَتْ آيَ الْقُرْآنِ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْوِيَ أَيَّ عِلْمٍ.
وَمِنْ أَبْرَزِ طُمُوحَاتِ الْعَرَبِيَّةِ الْيَوْمَ: أَنْ تَكُونَ لُغَةَ الْعِلْمِ وَالْحَضَارَةِ، كَمَا كَانَتْ فِي عُصُورِهَا الزَّاهِيَةِ.



