مراكز الدراسات والقوة الناعمة
د. محفوظ بن خميس السعدي
هل فكرت يومًا في أن مراكز الدراسات قد تكون الدواء لكل داء، والحل الناجع لمختلف أمراض العصر والإشكاليات التي تعترض مسيرة البشرية نحو التقدم والتطور؟ ولعل المقولة الشهيرة (شطر بيت لأبي نواس): “وداوِها بالتي كانت هي الداء” ما زالت حاضرة حتى اليوم، لتؤكد أن البحث والفكر هما سبيل العلاج.
يشعر الوسط الأكاديمي والبحثي بمرارة غياب مراكز دراسات متخصصة يمكن أن تكون بمثابة منصات فكرية لعلاج مشكلات المجتمع. ويعترف الباحثون بأن أسباب هذا الغياب تعود إلى نقص التمويل والاستمرارية، إذ يخشى أن تبقى هذه المراكز مشاريع وقتية محدودة الأفق. كما تُضاف البيروقراطية وصعوبة الحصول على التراخيص كعقبات أخرى أمام تأسيس مراكز بحثية متخصصة.
قد يُطرح حل بديل عبر إقامة شراكات مع مراكز دراسات دولية تتولى عملية التمويل، غير أن هذا الخيار يثير تساؤلات جوهرية: ما أهداف تلك الجهات الممولة؟ ما مصلحتها في تمويل هذه المراكز محليًا؟ وما العائد الذي تنتظره؟ من الواضح أن التمويل لا يكون مجردًا من الغايات، وهو أمر طبيعي.
ورغم ذلك، فإن وجود مركز دراسات متخصص في أي مجال سيكون له أثر بالغ في دعم البحث العلمي وصياغة القرارات الإستراتيجية التي تمس صميم المشكلات المجتمعية. هذه المراكز قادرة على تقديم أبحاث علمية رصينة تتعامل مع التحديات المستقبلية، وتوفر تقييمات للتجارب الماضية بما يتيح الاستفادة منها كدروس للحاضر والمستقبل.
عند النظر إلى المراكز الإقليمية نجدها غالبًا أحادية التوجه، تنغلق على موضوع واحد، في حين أن مجالات البحث أوسع بكثير. وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى مركز للدراسات يُعْنَى بالقوة الناعمة، باعتبارها أداة مؤثرة في الحقل الاجتماعي، والاقتصادي، والسكاني، والأنثروبولوجي، وحتى في مجالات الميثولوجيا، والفلكلور، والموسيقى، واللباس، والأدب، وكل ما يتعلق بأنماط عيش الإنسان على هذه الأرض.
إن مركزًا للقوة الناعمة يجب أن ينطلق من دراسات رصينة تُطبق عمليًا على أرض الواقع، ليكون لها أثر ملموس على المجتمع. كما يمكن تسويق مخرجات هذه القوة الناعمة كمنتجات سياحية تحقق عائدًا ماليًا للمجتمع، وتضيف في الوقت ذاته قيمة معنوية للهوية الثقافية.
ولذلك، فإن إنشاء مراكز دراسات من هذا النوع ينبغي أن يقوم على أسس متينة وأهداف إستراتيجية طويلة المدى، لا على اعتبارات وقتية تزول بزوال أسبابها. أما المراكز التي تكتفي بنبش التاريخ وإحياء الماضي، فإن أثرها يظل محدودًا، إذ يختص بذلك المتاحف بوصفها حافظة للذاكرة الإنسانية.
إن تأسيس مراكز دراسات جادة وفاعلة يتطلب مبادرة من القطاع الخاص، ضمن إطار قانوني واضح يحدد البنود والمواد والإجراءات والعقوبات، بما يضمن الاستمرارية والجدية. وبهذا فقط يمكن أن تكون هذه المراكز منارات فكرية تضيء الطريق نحو المستقبل.



