الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

أُكِلنا يوم أُكِل الثور الأبيض

إسماعيل بن مسعود بن غفيل الراشدي

بصريح العبارة قال نتنياهو: “كما هو مكتوب في التوراة، سألاحق أعدائي وأقضي عليهم”. فتسمية العملية بـ”يوم الحساب” لم تكن وليدة الصدفة أو لإثارة الحماسة والشجاعة – لا سمح الله – بل هي إشارة إلى أيديولوجية هذه العمليات التي دمجت الدين بالسياسة، لتتمكن الحكومة من تأجيج الرأي العام وتحويلها إلى حرب وجودية لا تنتهي، تمتد حتى تتحقق رؤية “إسرائيل الكبرى”. في حين علّق رئيس الكنيست الإسرائيلي قائلاً: “إنها رسالة للشرق الأوسط أجمع”.

أما الموقف الأمريكي فجاء بعبارة تطمين عائمة أرسلها ترامب لأمير قطر، حيث قال: “إن الهجوم على قطر كان قراراً إسرائيلياً، وهو لن يتكرر ثانية”. في محاولة لموازنة اللعبة السياسية المعقدة التي تهدف إلى تحقيق توازن دقيق، من دون التخلي عن الحليف الإستراتيجي، مع إشارة واضحة إلى الدعم غير المحدود لإسرائيل في تحقيق رؤيتها المذكورة.

بعد الهجوم الغادر على قطر، كانت ردة الفعل متوقعة؛ إذ صدرت بيانات الشجب والتنديد من جميع الدول الصديقة قبل الإسلامية والعربية. وفي المقابل، تبجّح من الجانب الإسرائيلي، وتذبذب وتأرجح من الجانب الأمريكي. أمّا قطر فقد عبّرت بأشد العبارات، إذ وصفت العملية بالغادرة، والدولة الإسرائيلية باللاعب المارق في المنطقة، معلنة صراحة عن حقها وحق المنطقة أجمع في الرد. وقد شكّل هذا الموقف ارتياحاً لدى الرأي العام، إدراكاً لثقل الوزن السياسي لقطر ودورها الفاعل. وفي هذا الصدد نأمل أن يكون الرد بمستوى الحدث.

أما على مستوى الأمة الإسلامية والعربية، فأراه ضعيفاً من ناحية، ومؤسفاً من ناحية أخرى؛ إذ باتت مواقفنا تُبنى على ردّ الفعل، فيما تُحاك الخطط في الخفاء. وهذا كلّه جعلنا نتساءل: أين المبادرات الاستباقية؟ وليت شعري: أين هذا الرد، والأفعال المدبَّرة تُحاك في الظلام؟ أين رد الفعل وقد بلغ السيل الزُّبى؟ أين رد الفعل والفاعل يتمادى ويتماوج في تعليقات أشبه بالنصر المؤزر، دون الأخذ بعين الاعتبار سوابق الغدر، واستباحة الأراضي، وانتهاك كل القوانين الدولية والعالمية؟!

وفي الوقت الذي يكتفي فيه الرد الأمريكي بالقول: “إن الضربة الإسرائيلية لم تجعلني أشعر بالسعادة”. يأتي هذا التصريح الدبلوماسي الموارب ليثير التساؤل حول ما إذا كان الأمر قد حقق ما هو أبعد من ذلك. بل إن الإدارة الأمريكية، وبحسب تصريحات إسرائيلية، اعتبرت هذه الضربة “فرصة حقيقية للسلام”. وهو ما يكشف أن مفهوم “السلام” يختلف باختلاف موازين القوى.

لقد تأخرت صحوتنا وما زالت متعثرة. فهل بعد ضرب قطر المحبّة لم تتضح الرؤية؟ في تقديري، كان الأجدر أن نصحو منذ إعلان دولة إسرائيل كياناً سرطانياً في المنطقة عام 1948. والغريب أن البعض ما زال يعتقد أننا في منأى عمّا يحدث في غزة، أو فلسطين، أو سوريا، أو إيران، أو اليمن، أو حتى قطر… والقائمة ستطول. فالجميع مستهدف بحجم دوره ودعمه للقضية الفلسطينية، أو بحسب قربه أو بعده من الكيان الإسرائيلي الذي سيبتلع الجميع عند انتهاء “الوجبات الرئيسية”، التي رُسم أن يلتهمها تباعاً ضمن مخطط أيديولوجي وديموغرافي مصمم بعناية ورعاية أمريكية، لن يتوقف إلا بردع وقوة من الشعوب والحكومات المعنية.

ومن المؤلم حقاً أن خلافاتنا الداخلية تتأجج لمستويات غير مسبوقة، بحيث أصبحنا جيراناً وأعداء في آن واحد. في حين يتجمع الغرب في تكتلات تصب في مصالحه، وما إن يشذ أحدها عن القاعدة حتى يستبدلوه بآخر، والشواهد كثيرة ومتجددة. وهنا يحضر المثل الخليجي المأثور: “حيلهم بينهم”. فقد أصبح الغرب يتفرج على خلافاتنا، ويشعلها حيناً ويطفئها حيناً آخر وفقاً لمصالحه. فيما أصبحنا أشداء على بعضنا بعضاً، ولطفاء على الآخرين – وإن وجدنا منهم غدراً وكفراً – وهذا يناقض تماماً ما استقيناه من تعاليم ديننا الحنيف، كما يتجلى في قوله تعالى:

﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ﴾ [الفتح: 29].

فهل نحن فعلاً كذلك؟

الوقت لم يفت بعد، وما زالت أمامنا فرصة لتجديد الثقة بالذات أولاً، ثم لبناء مواقف مشتركة تعكس المصير الواحد. إن توحيد الصف العربي والإسلامي، برؤية إستراتيجية قائمة على تعاليم الإسلام المنبثقة من القرآن والسنة والتاريخ، والقيم المادية والمعنوية المشتركة، حيث لم يعد خياراً ثانوياً، بل بات ضرورة ملحّة في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights