الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

الصراحة بين الفضيلة والوقاحة

د. طالب بن خليفة الهطالي

في مسرح الحياة اليومية كثيرا ما نقف في مواجهة لحظات تفاجئنا بما يسمّى الصراحة، لكنها لا تأتي دوما على هيئة نور كاشف، بل أحيانا كصفعة مباغتة، وقد يلقيها في وجهك زميل أو ينثرها أمامك صديق، أو يغرسها في وجدانك قريب بكلمات قاسية ومشحونة تنزف من وقعها الروح قبل السمع ،وحين تهمّ بالتأمل أو الرد يسارع صاحبها إلى الاحتماء بجملة دفاعية جاهزة أنا فقط صريح.

وهنا نرى أن الصراحة تحوّلت في الوعي المعاصر إلى صك غفران يبرر كل فظاظة، ودرع أخلاقي يشرعن أي تجريح، وكأن قول الحقيقة بصرف النظر عن طريقة إيصالها بات كافيا لتمنح سلوكك وساما من النبل، وحين تُفهم الصراحة فهما سطحيا تتحول من قيمة أخلاقية راقية إلى سلوك متسرع يبرّر التهور باسم الشفافية، ويجمّل القسوة تحت لافتة قول الحقيقة؛ وما يُظن أنه صدق قد لا يكون سوى اندفاع بلا وعي، أو عجز عن تحمّل مسؤولية الكلمة وأثرها، فالكلمة ليست مجرد صوت عابر، بل كيان حيّ يحمل قدرة على البناء أو الهدم، على الوصل أو الكسر، والكلمة التي لا تُفحص لا تستحق أن تقال، والصراحة التي تقال بلا وعي ولا بصيرة تصبح طعنة مغلّفة بالحقيقة لا رسالة هادفة للإصلاح أو التقارب.

وندرك أنه ليست كل حقيقة جديرة بأن تُقال فورا، ولا كل رأي يستحق أن يُطلق بمجرد أن يخطر بالخاطر؛ فالصراحة تبدأ من القلب لا من اللسان، ومن الوعي لا من الاندفاع؛ أن تقول الحقيقة لا يعني أن تُفرغ ما فيك، بل أن تُراعي أثره في من أمامك، فالحقيقة مهما كانت ساطعة إن قيلت في توقيت أعمى أو بأسلوب فظ تتحوّل من نور إلى نار، ومن تقويم إلى تجريح؛ الصراحة لا تهدف إلى إثبات أنك على حق قدر ما تكون نافذة للفهم تُبنى على التمهيد والحكمة والاحترام، لأن الكلمة التي تُلقى دون وعي كالحجر في الماء الساكن لا تُحيي بل تُعكر.

إن الميزان بين القلب واللسان بين ما يقال وما يحتمل وبين ما ينير وما يؤذي، فليس من العقل كي تكون صريحا أن تفجر رأيك دون أن تراعي هشاشة الآخر. الصراحة الناضجة ليست مجرد صدق يقال، بل توازن دقيق بين الوعي والنية والتوقيت والأسلوب، فهي لا تلقى عشوائيا بل تصاغ بلغة تراعي وقع الكلمة كما تراعي حقيقتها؛ إن الصراحة الحقة تنير دون أن تؤذي وتبنى على وضوح لا يربك ونية تحترم وتوقيت يراعي وأسلوب يُفتح به القلب ولا يُغلق؛ وقد لخّص مارشال روزنبرغ ذلك بقوله: “حين نُعبّر عن أنفسنا بصدق، فإننا نُسهم في الحياة دون أن نجرح أحدا” فالصراحة ليست اندفاعا، بل وعي بأثر الكلمة ومسؤولية في طريقة حملها.

الوقاحة كثيرا ما تتقن التنكر في هيئة صراحة، فتقال الحقيقة بلهجة قاسية ونية مستترة فتصبح طعنا لا توضيحا، إن الفرق بين الصراحة والوقاحة لا يكمن في الكلمات نفسها، بل في الروح التي تنطق بها وفي الأثر الذي تتركه، لأن الصراحة حين تقترن بالوعي والاحترام تُقرّب وتُضيء، أما الوقاحة فتهدم وتُقصي، وقد قال نيتشه من هذا الخلط: “الصدق ليس فضيلة حين يُستخدم بلا رحمة”، لأن الكلمة، وإن بدت صادقة قد تتحول إلى أداة قسوة إذا جرّدت من التعاطف، فالنبرة والسياق يصنعان الفرق، والصراحة تُمهّد للحوار بينما الوقاحة تطلق الحقيقة كطلقة تنهيه.

في بيئات العمل تصبح الصراحة سيفا ذا حدّين لا يُمكن استخدامه اعتباطا خصوصا حين تكون العلاقة بين رئيس ومرؤوس، حيث يغيب التوازن التام ويُصبح للكلمة وقع مضاعف، في مثل هذا السياق لا تكون المصارحة مجرد حق فردي، بل مسؤولية قيادية تتطلّب حسّا عاليا بالسلطة والاحترام والتوقيت، فقول الحقيقة لا يجوز أن يتجاوز البنية المؤسسية بل يجب أن تقال بلغة تحفظ الكرامة وتراعي موقع كل طرف دون أن تُخضع جوهر الصدق لتجمّلات المناصب، وهنا تبرز مهارات القائد الواعي الذي لا يُصارح لتأديب، ولا يرفع الصوت لفرض الهيبة، بل يختار كلماته ليخلق مساحة حوار آمنة تنمو فيها الثقة ويزدهر فيها الأداء، وكما يقول بيتر.أف. دراكر:” القائد لا يحتاج أن يكون محبوبا، بل موثوقا، والصراحة هي بوابة الثقة” الصراحة ليست في حدّتها ولا في قسوة ألفاظها، بل في قدرتها على الجمع بين الوضوح والاحترام؛ فهي حين تنبثق من وعي ناضج، تتحول إلى جسر يبني الثقة ويحفز على الإصلاح لا إلى سلاح يجرح ويكسر؛ فالمعيار الحقيقي للصراحة أن تكون قولًا يضيء الطريق، لا طعنة تطفئ الروح.

كثيرا ما تجهض الصراحة رغم صفاء نواياها لا بسبب مضمونها بل بسبب الطريقة التي تقال بها؛ فحين تستهل باتهام أو تغلف بلغة استعلاء، أو تطلق في لحظة انفعال أو تلقى بلا اعتبار لمشاعر المتلقي، تفقد الحقيقة أثرها وتغدو الصراحة قسوة متنكرة، هنا يتضح إن الصراحة الحقة ليست اندفاعا جافا بل فن راق في البوح يقوم على إعداد داخلي، وفهم نفسي ولمسة إنسانية تصون الكرامة؛ فهي لا تُلقى جزافا وإنما تبنى بروية على نية صافية ولغة واضحة وتوقيت ناضج وخاتمة تحفظ للآخر احترامه، حتى في مواضع النقد، لأن الصراحة ليس معناها أن تفرغ ما في قلبك بل أن تُحسن زرعه في قلب من تخاطبه.

الصراحة ليست انسكابا للكلمات بل أمانة تقال بعين الرحمة وميزان الحكمة؛ فالمصارحة لا تعني أن تجرد الآخر من مشاعره بل أن تراعي هشاشته وتنتقي اللحظة والعبارة التي تصون كرامته. فالحقيقة إذا نطقت بغير وعي قد تطفئ وإذا خلت من التعاطف تقسو؛ لذلك فالصراحة الحقة ليست أن تقول كل ما تعرف، بل أن تختار من الحقيقة ما ينفع، وتقدمها كما ينبغي في وقت يكون فيه القلب مهيأ لاحتضانها.

فهل نحن حقا صريحون؟ أم أننا أحيانا نتخذ من الصدق ستارا لنبرر فظاظتنا؟

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights